الكتابة الصياغية المحترفة

لماذا اخترت أن أكون كاتبة محترفة صياغية !

شاءت الظروف الطبيعية التلقائية في حكم عملي ككاتبة و عضو  في  العديد من المنتديات و المؤسسات الفكرية و الثقافية و من خلال احتكاكي مع أهل النخبة الفكرية و الثقافية في العالم و العالم العربي ، أن أتعرف على الكثير من الأفكار العظيمة و اقترب من خبرات العديد من الخبراء و الاختصاصيين . و في كل مرة كنت أسال عن مرجع أو كتاب يحتفظ صاحبه بهذه الأفكار فيه ، كنت أفاجأ بواحد من الردين التاليين : ليت لي الموهبة لصياغة هذه الأفكار ! أو ، العمل و الحياة لم يتركا لي الوقت للقيام بذلك .

أحيانا كنت ألقى الردين معا . و هكذا ، شعرت بالحاجة لان أقوم أنا بهذا الدور والمساعدة في إطلاق هذه الخبرات من صدور أصحابهما و عقولهم.

إن إحساسي الدفين بالمسؤولية تجاه الأفكار الجيدة المفيدة هو دافعي الأول ، صحيح أن لا مجد أدبي يحسب للكاتب  بعد أن يصدر الكتاب باسم صاحبه ، غير أن مجرد إطلاق هذه الأفكار هي مكافأة بحد ذاتها. و الحق لنعترف هنا ، الكتابة عمل في النهاية . إنها احتراف يومي و ذلك متى توفرت الأفكار الجيدة ، فصانع الخزف لا يتوقف بانتظار الوحي ، فطالما أن  أدوات العمل بين يديه فان قدرته على الإبداع اليدوي موجودة . قد تنفذ الأفكار الإبداعية من الكاتب أحيانا ، و بدلا من اجترار نفس الأفكار السابقة في كتب جديدة ، الأحرى أن يترك فسحة لأفكار الآخر الجيدة أيضا و الذي لم يحبه الله ملكة صياغتها أو  توثيقها في كتاب بشكل محترف .

و لهذا فان الحل الأمثل لتلك الأوقات العصيبة من نفاذ الأفكار هو  أن تلتقي خبرة الكاتب المحترف و مهارته  التأليفية مع من  يملك  الأفكار و المعلومات الضرورية الإبداعية  .

لربما كان هؤلاء من المشاهير الذين يريدون ترك اثر في كتاب ، أو  حتى من الناس العاديين الذين يملكون خبرات و أفكار غير اعتيادية هامة جديرة بان تحفظ و تدون , في كلا الحالتين يجب أن يكونا خبراء في الموضوع الذي يرغب العامة أن يعرفوا المزيد عنه .

إن صناعة الفيلم السينمائي مثلا تعتمد على عمل فريق من إلفه إلى يائه تقريبا ! فكل شيء ينفذه فريق العمل حتى  كتابة النص السينمائي أحيانا ! إذا،  لماذا لا ينطبق هذا الأمر على التأليف ! خصوصا حينما تعوز  الخبير صاحب الأفكار المقدرة على صياغة عمله بطريقة تدفع الناشر  إلى تبنيه ! 

أما بالنسبة لموضوع المجد  الأدبي فهذا أمر محسوم ، ففي الوقت الذي يستمتع فيه صاحب الكتاب في الحديث عنه في مقابلاته التلفزيونية و الصحفية أكون أنا في مكتبي المنزلي اعمل على مشروع كتاب آخر شبه مبتسمة . لربما يذكر اسمي في مقدمة الكتاب كتنويه أو ربما اذكر بشكل رسمي مختصر على صفحة  الغلاف الخارجي الثانية أو لربما يظهر الاسم كمؤلف شريك في العمل و قد لا يظهر على الإطلاق ، في كل الأحوال تكمن متعتي وفائدتي في اللقاء مع هؤلاء الأفراد من ذوي الأهمية و المكانة الفكرية الرفيعة و في  الاقتراب من بؤر خبراتهم و الأفكار . أنها  الفرصة التي تسنح لي  للدخول إلى عوالمهم العجيبة و الاقتراب من منبع رؤياهم و معرفة كوامن القلق و الإبداع لديهم  .

ان الكتابة الصياغية للآخر يعني أن تطلع و تتعلم من أفضل المعلمين في العالم و بشكل مباشر . تخيل نفسك و أنت يطلب منك أن تضمن في كتاب ( أصل الأنواع ) لداروين مثلا ، أو (سقوط الإمبراطورية الرومانية ) لجيبون !!!تخيل فقط أن يدفع لك لقاء أن تتعلم كل شيء في عقل هؤلاء الكبار المفكرين و أن تحول أفكارهم و الكلمات و الملاحظات إلى كتاب . أيوجد أفضل من هذا التعلم !!!!!

صحيح أن ليس جميع من يعتمدون الكتابة الصياغية من اجل أفكارهم هم على هذا المستوى تماما من الأهمية . ولكن لنفرض أن احد حقول اختصاصك هو الكومبيوتر مثلا أو الاقتصاد أو السياسة ، و إذا ما طلب منك  احد كبار الاقتصاديين أن تضع كتابا عن أفكار ما أو خبرة  لديه، عندئذ سوف تكون لديك الفرصة لكي تستشف منه الكثير عن المستقبل و أن تتعلم أشياء منه  ، أي من المصدر، تضطر الآخرين في اغلب الأحيان أن يدفعوا كي يحصلوا عليها على شكل استشارات أو محاضرات . إذا ، التعلم أقوى و أهم من مجد أن يوضع اسم على كتاب . و مع ذلك فان المجد الآخر التقليدي الكلاسيكي و المتعارف عليه يأتيني من أفكاري الخاصة و من كتبي التي امهرها باسمي ككاتبة . ولهذا ، أن يعمل الإنسان في الكتابة الصياغية  المحترفة يعني ان يكبح كل حس بالذاتية لديه الأمر الذي يعتبر على قدر من الأهمية فيما يتعلق بالتربية و ضبط النفس بالنسبة لكل كاتب . إنني أشبه عملي بعمل المحامي الذي يستمع إلى قضية موكله . إنني أصغي  إلى قصته بانتباه و من ثم أقوم بإخبارها بالنيابة عنه ، عامدة إلى إيصال وجهة نظره إلى العالم و الطريقة التي حدثت فيها الأمور . إني طرف واحد معه . لا  أتحداه  و لا  نية لدي تجاه وعظ أخلاقي من دون طائل ، إنما أصغي و أتفهم و اقتنع و من ثم أباشر الكتابة .

كثيرة هي الخبرات الشخصية الغريبة التي قد نضطر إلى الكتابة عنها . لكن الوعظ يخرب الفحوى و يطفئ وهج الحقيقة . و لهذا ، فان البلاغة تكمن أيضا في مجرد السرد ، سرد ما حدث ثم  ترك الآخر يبرر موقفه وفقا لمنظور رؤياه . أن أفضل الكتب التي تناولت حياة الفنانين هي الكتب التي سردت ببساطة تفاصيل يومياتهم من دون إطلاق أحكام . فالدرس لا يأتي من التنظير أو الوعظ و إنما من الحدث بكل بساطة . و لهذا فانه من غير المسموح به في الكتابة الصياغية أن يتم القفز فوق الفكرة الأصلية لصاحبها من اجل  إعطاء درس أخلاقي أو تنظير ما إلا إذا كان هذا ما يرمي إليه . 

لكن من المهم جدا أن يكون الكاتب مهتما بالموضوع الذي يتناوله . فمن غير المعقول أن تصب على الورق ما لست مقتنعا به أو ما تعتقده غير جدير بالصياغة . و لهذا فان الفكر الذي أتناوله يجب أن يقنعني و أن يجعلني  أجد متعة و ضرورة صياغته و يشعرني بأنه  إضافة إلى ما كتب سابقا في حقله .

إنا أيضا قارئة و لست فقط كاتبة ، و ما يشدني حتما قد يشد نسبة من القراء و ما اشعر به ، كقارئة ، انه غير ذات أهمية ، من الصعب أن أجد المقدرة الإبداعية على صياغته أو تحويله إلى كتاب من اجل العامة ككاتبة  فيما بعد .وكامرأة  أجدني مهتمة بصياغة تجارب و أفكار النخبة من النساء العربيات،  ممن مررن بتجارب قمع أو بطولة ، تجارب تحد في مجتمعاتهن و تجارب تمييز .

أن ما كتب عن المرأة العربية لهو اقل بكثير مما يجب أن يكتب عنها و من قبلها ! و التغيير لا يمكن أن يتم من وراء الأسوار و من خلال الهمس . فوراء الكثير من جدران المنازل العربية ، هناك نساء عظيمات لا يعرفن كيف يوصلن أصواتهن إلى الخارج . و إيصال الصوت لا يكون بسرد الحدث و إنما من خلال تأريخ المرحلة أيضا بكل ما فيها من قيم اجتماعية و دينية و اقتصادية و سياسية ... الخ .

و الروعة ان تلتقي الأفكار الجيدة و الخبرة الحقيقية مع الموهبة الكتابية !

يجب أن نتحدث عن أنفسنا أكثر، أن نقول ما يجري داخلنا إن شعرنا انه حقيقي ويضيف ،  أن نطرح وجهات نظرنا الثورية في حقول اختصاصنا و أن نترك بصمة قبل أن يترك الآخرين علينا بصماتهم . فالحروب ليست كلها عسكرية و ليس التهديد دائما يكون بنقص الموارد الاقتصادية و إنما أيضا بسبب عجزنا عن إيصال فكرنا إلى ما وراء الأسوار .

العرب اليوم ، يعيشون حرب فكرية مع الأخر . كل كتاب جديد مبتكر هو رصاصة موجهة . و كل خبرة هامة هي حجر أساس في بناء هيكلنا . صحيح أن البترول العربي ثروة لا خلاف عليها و لكن الأفكار هي البنية  التحتية حتى للبترول .

ولهذا من الضروري أن يشعر صاحب الأفكار بالراحة و الثقة في التعاطي و النقاش مع الكاتب . فإذا ما شعر أن الكاتب يريد أن ينتقده أو يحكم عليه أو يتشاجر معه حول أفكاره ، فانه سوف لن ينفتح عليه  . فليس مهمة الكاتب دفعه لتغيير أفكاره حول أي شيء و إنما تشجيعه على سردها بأكثر الطرق تشويقا و انسجاما  و صدقا !كما أن  من مهمته  أيضا أن يطرح كل الأسئلة التوضيحية التي تصب في الموضوع المراد صياغته بحيث يغطي بشكل شبه كامل كل علامات الاستفهام التي يمكن أن  تدور في عقل القارئ !

عند الانتهاء من تدوين كل الأفكار المتعلقة بالكتاب و ملحقاتها و أجوبة الأسئلة التي طرحها الكاتب و المراجع المقترحة، يمكنه  أن يضع هيكلية الكتاب بشكل مسبق عند الانطلاق في الكتابة ، يستمر التداول بين الاثنين متى لزم الأمر ، من اجل الحفاظ على التجانسية في السرد و إتباع الخط العام الإرشادي الأساسي.

جميع الحقوق محفوظة ©2006 للكاتبة كلاديس مطر