|
عالم من ورق
ولدت في مدينة لاوديسيا ، على ساحل المتوسط ، في النصف الثاني من
القرن الماضي . شامية منذ 4 آلاف قبل الميلاد و إلى الآن . خلال هذه الفترة
الطويلة نسبيا كنت كل شيء . اعتنقت كل الأديان. مارست كل الطقوس التي
عرفتها المنطقة . مررت بكل مراحل نشوء و ازدهار هذه الحضارة . أما
اندثارها في هذه الحقبة فكان الأضعف على الصعيد الشخصي بالنسبة لي .
فالانتقال من كاتبة ملهمة للأساطير على الرٌقم القديمة في اوغاريت عندما
كان للفينيقيين سطوة على المنطقة كلها ....إلى كاتبة( عضو ) في اتحاد
الكتاب العرب أمر عجيب غريب. نقلة صعبة خصوصا لمن كانت قنواته بماضيه ،
مثلي ، مفتوحة على مصراعيها .
و هكذا ،لم يعد العالم يشبه ذاته فجأة بالنسبة لي ،وبدا الملاذ يلوح قويا
في تاريخ بلاد الشام حيث كان كل شيء ..حين كان بدء كل شيء مع الوقت ،كان
المفروض أن أتأثر بأحد! ( أحد ) يطلقون عليه مثلاً أعلى ، أو شيئاً من هذا
القبيل . الحق كوني ولدت في بيئة مثقفة أمر ترك أثره الكبير علي . فلم يكن
هناك مثل محدد و إنما تركت لي بيئتي إمكانية لانهائية للتفكير و التمحيص و
المراجعة و إعادة النظر و هكذا ما إن كان يتمثل أمامي مثل ما حتى ينهار بعد
فترة ليحل محله آخر بحجة أقوى و منطق أجدى .
تعلمت انه لا يوجد نص أو فكر أو عقيدة فوق النقاش و أن الابقى هو
للفكر الجيد المفيد و ليس المماحك الماورائي و البيزنطي المرفه . والدي كان
مهندسا مدنيا و لكنه كان شمولي الثقافة و قوميا بدرجة امتياز و عاشقا
للوطن الكبير . في ملفه في الجامعة الأميركية في استنبول منذ نصف قرن كتب
أساتذته في الموسوعة الجامعية السنوية للطلاب المتخرجين ،إنهم لم يعرفوا
بالضبط من هو : فيلسوف ، عالم ، موسيقي أم شاعر .. الحق أنه كان كل هذه
مجتمعة ، و به تأثرت.أحيانا عندما أتناول بعض المراجع و الكتب في مكتبتي
أرى الكثير من التعليقات على حواشي الصفحات . لا أعرف بالضبط أن كانت
تعليقاتي أنا أم هو . لقد فتح لي الباب على مصراعيه للمعرفة و حب الكلمة
و تركني في نهر ليس له حواف و قال كوني ما تشائين و لكن عينك على مصلحة
الوطن . ثم أتى كتاب أميركا اللاتينية ليزيدوا من عشقي للكتابة ..لقد تعلمت
منهم أن الكلمة مثل المعجون نصنع منها أريكة متداعية أو قمرا مشعا ..تعلمت
إعجاز الكلمة منهم .الإعجاز المضموني و السحري وأهمية أن يكب الإنسان ما
بنفسه بصدق يعني أن يرتقي أعلى درجات الدراما و الاحتراف ! لقد تعلمت
استعمال ضمير المتكلم في الكتابة . كان نقلة بالنسبة لي أن اكتب بصيغة
الأنا . أي الانتقال إلى ضفة المواجهة بدل الاختباء وراء المثاليات في
بداية سنوات المراهقة ، كان عالمي ذاتيا بدرجة امتياز و صامتا نوعا ما .
كنت أصغي ..انتبه .. اتفرج ...ربما لم أكن ادري كثيرا ما يجب علي أن افعل
أو أن أقول . كنت اعتقد أننا نكبر في لمحة و ننتقل بشكل سحري من الطفولة
إلى النضج .. لم أكن افهم أن هناك مراحل . على عكس الآن .. أنا أعيش
اللحظات بكل طاقتها . لقد علمتنا الدراما التلفزيونية أن نختصر الحياة بـ
13 حلقة ثم زادت كرمها فأصبحت تختصر بـ 30 حلقة . الحق إن هذا خلق التباسا
لدى الناس فاعتقدوا أن كل شيء يجب أن يتم بقدرة قادر و بسرعة ، مسهبين ، أن
الحياة هي لحظات تمر و أن قيمة الوجود بالضبط هي في لب هذه اللحظات و ليس
بالقفز من فوقها .
اعتقد أنني افهم هذا الآن جيدا ... أشبه تجربتي بكرة الثلج تجرف معها في
طريقها كل شيء يمكن أن تلتقطه . إنها تشبه السجاد العجمي . الناظر إليه
يعتقد أنها فوضوية الرسوم و لكن المدقق الملاحظ يعرف كم هو دقيق ترتيب
خطوطها . في البداية كانت الخطوط قليلة و واضحة لكن مع الزمن و فهمي
لماهيته و دوره في الصيرورة التاريخية استفدت أكثر و بدأت لخطوط تتداخل و
الرسوم تتعقد . لقد استفدت من الزمن لأقصى درجة ممكنة ..لقد كان يعمل
لصالحي على عكس المتعارف إليه بالنسبة للمرأة العربية حين يكون الزمن عاملا
لا يقف لصالحها..لا على صعيد الحب و لا التجربة الشخصية . الحق انه ينهكها
و يجعلها تشيخ . أنا الزمن حليفي ..يجعلني انضج يقف إلى جانب تجربتي
الإبداعية و يجعلها أكثر إشعاعا و تماسكا و نضجا . لهذا ، إذا ما تحدثنا عن
عناصر التجربة الإبداعية فلا أجد أمامي أهم من عنصر الزمن لأتحدث عنه إذ
فيه يكمن كل شيء الأحداث و المشاعر و المواقف و كل شيء . و مع ذلك ، لا أرى
انه يجب الإبقاء على عناصر الثقافة و اركانها و أرضياتها و خلفياتها بكل
عجرها و نجرها و الاحتفاظ بها مبخرة و مبجلة و ملفوفة بشرائط الساتان .
الحق لا احد إن هذا الأمر بقائي أبدا ، إذ كثير من عناصر ثقافتنا بحاجة
لرمي في أول مزبلة و هي بحاجة إلى مراجعة و إعادة نظر للتمسك بالجيد منها و
المتماشي مع صيرورة التاريخ . اعترف بأنني قارئة انتقائية ..لست ممن يميلون
لمطالعة ما يكتب على المعلبات حتى ..! تلفتني لحظة الصدق وراء العبارة مهما
كان كاتبها .. تغذيني مثل هذه العبارات و تدفعني لكي امسك القلم و اكتب .
يحفزني الصدق الذي في كتابات الآخرين و التجربة الواقعية و العبارات التي
يخطها الزمن بأقلامهم . فالكتب الكلاسيكية الكبيرة و الأعمال الضخمة قد لا
تسترعي انتباهي مثل الكتيبات الصغيرة أحيانا . اذكر أنني اشتريت في بداية
الثمانينيات من إحدى المدن الفرنسية الصغيرة كتيبا صغيرا ( من سلة كبيرة
فيها كتب مخفضة بفرنك فرنسي للكتاب ) عنوانه ( رسائل مفتوحة إلى الله ) .
الكتاب كان جيدا لدرجة مذهلة بالنسبة لي .. فليس فيه أي بعد لاهوتي أو
مثالي ديني و إنما كان بوحا ذاتيا روحيا واقعيا عميقا جدا . لقد فتح لي
آفاقا لم أكن أتصور أنني يمكن أن ادخلها . لقد علمني أن استعمل ضمير
المتكلم في الكتابة بشكل لم اعرفه من قبل أبدا . اعرف الآن أن التجربة
الروائية تنمو بالقفزات الروحية و التخمر الشعوري الذي يأتي مع الزمن ..
التجربة الروائية هي أخت الصدق و مواجهة الذات . لهذا ، لا توجد ( أسماء )
كثيرة في عقلي ...يبقى في ذاكرتي جمل و عبارات أتت على السنة ناس عاديين
و ليس بالضرورة كتاب أو نقاد ...اذكر أني قرأت مرة حوارا مع الفنانة
جاكلين بيسيه ( و هي ممثلة ) في إحدى المجلات الفنية العادية و أقول
الصدق إن كلامها عن النضج الشخصي و الفني قد هز كياني . اذكر أن هذه
الجمل البسيطة قد شكلت مفترقا فكريا و روحيا هاما بالنسبة لي ... شبهتها
حينها بنوع من الــــ (
enlightment ) الروحي . اعر ف الآن أكثر من أي
وقت مضى أن القوة الروحية التي استمدها من كلمات الآخرين منبعها قدرتي
الخاصة الداخلية على قراءة و فك شيفرات الجمال التي تأتي لمحويا على
السنتهم . اشعر بشيء من السعادة السرية لان الله منحني هذه القدرة التي
تفوق برأيي القدرة على الكتابة الإبداعية . لا أميل كثيرا للأدب العربي
لأني اعرف أن فيه تطرفا ما : فهو إما يشتم و ينفتح بشكل غير مسبوق و لا
متوزان و إما هو مؤسساتي بشكل صنمي , و أنا لا أميل لا لهذا و لا لذاك و
إنما أفضل عليهما الكتابات المغرقة في الصدق الوجداني التي لا تحوم فوق
رؤوس أصحابها أي نوع من أنواع التابوات أو المشاكل الشخصية الانتقامية أو
وجهات النظر غير الموضوعية أو نزعة التشاؤم الطقسية التي يتميز بها ما
يسمون بـ ( الكتاب ) . اكره الكتابة ذات العناوين الصنمية .. حتى تلك التي
تدعي الاغراق في الحرية السردية بينما أصحابها يعيشون في أكثر المجتمعات
قمعية و لا يعملون أي شيء حيالها سوى التأفف والنقد و الشكوى !و لكن ، و
للإنصاف أقول أن هناك أسماء غير معروفة ( إلى الآن ) في أدبنا العربي
المعاصر قد بهرتني بنصوصها ...أسماء تكتب في الظل بهدوء و بموهبة فذة لا
لبس فيها ، لم يقرر الإعلام بعد أن يلقي الضوء عليها كما يفعل كل يوم مع
زجاجة ( الكوكاكولا ) !لقد وضعت السياسة الإعلامية الخطوط العريضة للثقافة
العربية الاستهلاكية المعاصرة و انتهى الأمر . أصبحت التوليفة هي كالتالي :
مطبخ – أزياء – أخبار – أبراج – مسلسلات مدبلجة – مقابلات سياسية – تعليق
على الأحداث – برامج دينية ...الخ ربما هناك ربع ساعة في الأسبوع أو كل
أسبوعين للاطلاع على ( الأحداث ) الأدبية في العالم مثل معارض الكتب أو
مقابلة مع كاتب لجره على شتم النظام في بلده و ذلك من اجل إعلام حر ظاهريا
لا يعرف أن يعطي الحلول و إنما يكتفي بإعلان المشكلة على حبل غسيل محترف .
أو هناك بعث للصالونات الأدبية لتكرار القديم و أعادته من دون أي رؤية
سياسة أو أدبية واضحة للمستقبل بينما تأخذ بعض منابر الانترنيت الثقافية
الجادة على عاتقها مهمة تسليط الضوء على النصوص الشابة الإبداعية الفذة
التي لم يعترف بها الإعلام العربي بحلته الحالية بعد إلا بقدر ما تنطوي
على بذور فضيحة أو تكفير أو معارضة . و المثقف العربي ، الذي أصبح عبارة عن
قرص مدمج من أقراص الكومبيوتر ، يصارع اليوم من جهة لكي يفرض أحلاما (
نجومية ) خلقها لديه الإعلام المرئي الذي إن رضي على احدهم رفعه إلى
السماء السابعة ، ومن جهة ثانية يبحث لكي يجد دورا حقيقيا لـه في النـضال
المجتمعي و الوطني . أصبحت الوسائل أكثر إغراءا و الرغبة في الوصول محمومة
. و مع ذلك ، فثقتي بالمستقبل راسخة لأني اعتقد بان الابقى ليس للأقوى و
إنما للجيد و للخيًر .. و هذا ينطبق على كل نواحي الحياة و أولها الثقافية
و الفنية . أنا عاشقة للتراث و التاريخ في منطقة بلاد الشام و الرافدين
.هذا واقع الحال في كل نصوصي !و أجد أن الأخطار التي تهدد الأمة العربية
ككيان ، هي نفسها التي تهدد مثلا المسيحية كعقيدة . فمحاولة تهويدها و
إبعادها عن حضنها العربي الذي خرجت منه ، و إلصاق العهد القديم الذي هو
تراث يهودي بالعهد الجديد ، كل هذا يعمل على تسييس الدين و القضاء عليه
كفكر نظيف ، و إبعاده عن أهدافه و إدخاله في نفق السياسة الذي ليس له آخر .
احلم بمجتمع مؤسساتي تديره حكومة وحدة وطنية تعمل لخير الكل و لخير الأرض .
احلم بالعيش في مناخ من الحوار الدائم بين الأديان و العقائد ، مناخ نسيجه
مصنوع من اللحمة الطائفية و العيش المشترك الكامل و الوحدة الموزاييكية
الغنية التي تميز هذه الأمة ...بعدها أن فشلت قصة حب بين امرأة و رجل أمر
لا يهم أو يشغل الكثير من البال طالما أن الوطن بخير . مع ذلك ، و فوق هذا
و ذاك ، ... . أقول إنني لست متيقنه من أي شيء و لا أتعصب لأي شيء.
لربما مت لو حبست نفسي داخل فكرة أو وجهة نظر واحدة ..علمني تراثي الشامي
الباذخ أن أكون منفتحة على كل الاحتمالات و أن أساير الصيرورة التاريخية
للزمن . اعتقد إننا مللنا من خرقنا و اصنامنا و تابواتنا المقدسة ..! ولكن
، يبقى الله ، الذات العليا ، هو الحقيقة الثابتة و الأقوى ! .
عـــالم من ورق
صوري بريشة
الفنان التشكيلي صدر الدين أمين
.... و الفنان التشكيلي عادل جيهان الفورتية
|