![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
ملف الأدب الأميركي
ترجمة
كلاديس مطر
والت
ويتمان
الادب
الاميركي: ابداع على قياس شعب
حين
مول التاج الاسباني رحلة المستكشف كريستوف كولومبوس لم يكن يكن هناك شيء يدعى
(بالادب الاميركي) والحق كان يجب الانتظار كي تصطدم رأس سفينته بتلك الارض في
12 تشرين الاول (اكتوبر) 1492 ليبدأ صراع عسكري وسياسي وديني واجتماعي شديد
وحركة هجرة إلى هذه الارض لم يجر لها مثيل في التاريخ الحديث.
لقد
كانت اسبانيا تجوب بسفنها العالم الجديد بينما كان البرتغاليون قد ابحروا منذ
زمن على سواحل افريقيا و استعمروا جزرا هناك. و حين نشب خلا ف كبير بين
الطرفين على ملكية العالم الجديد استدعوا للمثول امام البابا الكسندر السادس
في 2 ايار عام 1493 حيث رسم خطا وهميا فاصلا على الخريطة امام الطرفين.
وبناءا عليه فتحت اسبانيا كل العالم الجديد بما فيها المكسيك و البيرو و كل
اميركا الجنوبية والوسطى جالبة معها إلى اسبانيا كميات هائلة من الذهب و
الفضى عبر الاطلسي. لقد دعمت هذه الثروة المنقولة اقتصاد اسبانيا و عملت على
ازدهارها الامر الذي ساهم لاحقا في هذا التضخم الذي ضرب اوروبا في القرن
السادس عشر.
انضمت
بريطانيا لاحقا إلى قافلة المستكشفين للعالم الجديد. فقام الملك هنري السابع
بمنح الايطالي (جيوفاني كابوتو) اسطولا ليسافر في رحلة استكشافية. في عام
1497 وصل كابوت إلى نيوفونلاند او لاباردور و هكذا يكون اول اوروبي منذ ايام
الفاينكنغ تطأ قدماه جنوب اميركا. في العام التالي قام برحلته الثانية ثم كرت
من بعدها سبحة الرحلات مدفوعين رجالها بهوس البحث عن الذهب.
كانت الاساطيل البحرية الكبرى انذاك
(اسبانيا، بريطانيا، و فرنسا و البرتغال) في طليعة من بحثوا وراء الذهب ما
لبثت ان لحقت بهم بعد ذلك السويد ثم نزرلاند. الحق، ان الاسبان الذين اكتشفوا اميركا الجنوبية و الوسطى ما لبثوا ان غيروا انتباههم باتجاه اميركا
الشمالية.
في
عام 162.، سمح الاضطهاد الديني في بريطانيا بظهور المستعمرات البريطانية
الجديدة في اميركا الشمالية. فترك المتزمتون البريطانيون بلدهم _ و الذين
سموا بالحجاج لاحقا _ و رسوا في بلايموث روك (او ما نسميها اليوم ماساتشوسس)
بعد ان رموا في البحر ياطر سفينتهم الشهيرة (ماي فلاور)، و اسسوا مستعمرة
كونتيكيت و هكذا تتالت المستعمرات و اخترق العالم الجديد من قبل الاوروبيين
سنة تلو الاخرى.
لقد
نبع الادب الاميركي من هذه النظرة الجديدة الشفافة للعالم الجديد... من جمال
هذه الارض البديعة و من سعة هذه القارة الممتدة في كل الاتجاهات، من
مستوطناتها القديمة و من حضاراتها و اساطيرها الهندية و من هذا السكون الذي
كان يرف فوق ارض لاتزال (في اغلفتها). من تلك التوقعات المتطيرة التي عبرت
الاطلسي من اوروبا عن طريق المستكشفين و من حياتهم الجديدة و خبراتهم التي
صادفوها.
كل
هذا تجمع ليصنع قصصا تروى عن هذه القارة، قصصصا مختلفة عن غيرها في أي مكان اخر.
انقسم
الادب الاميركي في بداياته إلى فترتين زمنيتين :
اولا:
الادب الاستعماري (16..- 177.): راج هذا الادب بشكل كبير بين المتزمتين الدينيين الذين هربوا
من بريطانيا بسبب الاضطهاد الديني. و كان ادب تلك الفترة يشمل ادب الرحلات و
الاشعار الدينية ذات النزعة اللاهوتية بشكل اساسي. من اهم كتاب تلك الفترة
(روجر وليامس 16.3 – 1683) و جونثان ادواردز 17.3 – 1758). لقد كانوا مفكرو
تلك المرحلة متزمتين بشكل نموذجي. اما قصة حياة (بنجامين فرانكلين) فكانت اول
كتاب تتجاوز فائدته كونه عملا تاريخيا بحتا.
ثانيا
: ادب ما بعد الثورة (أي منذ الـ 178. - 182.) : هنا بدا الادب الاميركي يتطور و بدأ الشعر
و الدراما و الرواية يبلورون المبادىء الوطنية و يتطورون بحسب مثالها الاعلى.
لقد ظهرت العديد من المؤلفات السياسية في تلك الفترة و كان من ابرز كتابها
توماس باين و توماس جفرسون و الكسندر هاملتون و الشاعر الهام فيليب فرينو.
بعد الحرب الاهلية (1865- 19..)، افرزت خيبة الامل و التحرر من الوهم في هذه المرحلة الرواية الواقعية و النفسية. اما تاثير الرومانسية الانكليزية فكان جليا لدرجة بدى و كأنه الوجه الآخر المختلف عن الواقعية الاجتماعية لادب ما بعد الحرب الاهلية، تلك الواقعية التي طورها فيما بعد كتاب القرن العشرين مدللين على مقدرتهم و خبرتهم في خلق اشكال ادبية تنم عن الحداثة و التماشي مع ايقاع التطورات الاجتماعية في هذه التركيبة الاستثنائية للمجتمع الاميركي.
لقد
كتب، في تلك الفترة، ستيفان كران قصصا واقعية عن الحرب كما كتب مارك توين عن
حياة الغرب الاميركي. اما تنامي الصناعة فقد افرز روايات اجتماعية واقعية
تجلت خصوصا في اعمال وليم هولز و فرانك نوريس. بينما طوّر هنري جيمس و
تلميذته اديث وارتون رواية التحليل النفسي و المشاكل النفسية للاغنياء.
من
اشهر شعراء تلك المرحلة كان هناك اميلي ديكنسون على حين برز هاوثورن و بور
جيمس وأ. و.نري كرواد للقصة القصيرة التي ازدهرت انذاك.
الادب
الاميركي في القرن العشرين :
غدت
اميركا رمزا بحد ذاتها للروح المعاصرة الحديثة و ربما غدا هذا الرمز جزءا من
الاسطورة الاميركية. لقد انتشر الادب الاميركي في العالم و غدا الكتاب
الاميركيون ذو شهرة واسعة. اما قصصهم و حكاياهم فقد غدت جزءا من الخبرة
الانسانية بمفهومها الشامل. صحيح ان عبارة (الادب الاميركي) تعني عموما ادب
الولايات المتحدة الاميركية، غير انه في هذا الزمن المتعدد الثقافات، زمن
العولمة الثقافية، فان هذه العبارة لربما شملت ايضا الاداب الاميركية
(الاخرى)؛ الكندي واللاتيني والاميركي الهندي والاميركي الافريقي.
الدراما
الاميركية: الرغبة و فساد السلطة !
يقول
اليكسيس دو توكوفيل * 2، في مقاله عن(الديمقراطية في اميركا) عام 1835 : (لا
توجد مواضيع درامية ذات شأن في بلد لم يشهد ازمات و مصائب سياسية كبرى، و حيث
أمور كالحب مثلا تنتهي حتما و بسهولة إلى الزواج).
بالرغم
من مقدرة دو توكوفيل على التحليل فان السنين التالية لربما خيبت ظنه و ذلك
لان السياسة و الديمقراطية الاميركية قد أفرزت الكثير من المشاكل العاطفية و
الاجتماعية الناتجة عنها الامر الذي انعكس على الادب خصوصا في القرن العشرين
و اعماله الدرامية الهائلة التي تميزت بقدرتها الكبيرة على عكس الواقع بمقدرة
لا توصف.
و لان الادب الاميركي ركز على هذه العلاقة بين (فرد الطبقى الوسطى بشكل اساسي) و
المجتمع، فان الدراما الاميركية كانت مرآة لقصة الامة منذ فترة التوسع
الاستعماري في القارة الاميركية إلى هذا الزمن، زمن الهيمنة الامبريالية لنفس
هذه الامة.
ماذا
فعلت الدراما الاميركية ؟ الحق لقد ضخمت الجانب السياسي في الشخصي من خلال
معالجتها لقضية الفرد و المجتمع كما اظهرت الشخصي من خلال السياسي عندما عمدت
إلى تحليل الحلم الاميركي و هذا الخواء الروحي لهذا الحلم.
لقد
مر الحلم الاميركي عبر مصفاة ضخمة نقت منه شوائب الخيال الفالت من عقاله
وتركت لرجالات السياسة لاحقا ان يعطوه ابعاده الواقعية الكاملة وان يطوره بما
يتناسب مع تطلعات الامة الاميركية و مشرعيها الذين وجدوا في الديمقراطية و
المساواة و الحرية و كل النوايا الحسنة التي نريدها لهذا العالم الذي تدمره الة عسكرية متنامية بسرعة رهيبة، حلما اردوا ان يجعلوه رمزا من رموز الولايات
المتحدة الاميركية الحديثة. لقد أكد ليندون جونسون في خطاب له عام 1965 في بلتيمور / مريلاند انه يتوقع ان تكون بقية الامم في صراع مع اميركا و تساءل
هل السبب لانهم اغنياء ام لانهم ارتكبوا بعض الاخطأ ام لانهم ذوو سلطة و
طغيان او ربما لانهم بالفعل خائفون من نواياهم ! لكنه نفى ذلك و اكد ان الحلم
الاميركي اليوم يتطلع إلى ان يرى هذا الكوكب آمنا. و الواقع، اننا لا نعرف
اليوم كيف يتعامل الامريكيون مع هذا الحلم و لاي مدى كانت وسائل تحقيق هذا
الحلم امنة بالنسبة للشعوب الاخرى وخصوصا العرب !
و لكن
ماذا فعلت الدراما الاميركية بهذا الحلم؟ هذه الدراما التي عالجت قضايا
متشعبة مثل الملكية و العنف و قوة حضور الماضي و هذا النسيان الاصطناعي لحرب
فيتنام و هزيمة الامبريالية امام الدروس التي قدمتها احلام الاخرين التي
تتطلع هي الاخرى لكي تتحقق ؟ لقد بدت الدراما هنا كسلاح ذو حدين يداوي بيد و
يجرح باليد الاخرى.
خلال
القرن العشرين كُتبت العديد من الاعمال الدرامية نذكر منها على سبيل المثال :
-
سوزان كلاسبل التي كتبت مسرحية (توافه) 1916 و هي اول مسرحية ممثلة كتبت
بكثير من الحس النسائي الملتوي و الرائع.
-
اوجين اونيل الذي كتب عام 1924 (رغبة تحت الاشجار) و نصوص درامية اخرى دون
فيها صراع عائلة يوم بيوم. لقد كتب اونيل هذا العمل تحت وطأة احساس رهيب و
مرعب بقوة حضور الماضي و حدة المشهد الاميركي. لربما أستعمل أونيل رموزا و
لغة قد تبدو صعبة و متكلفة بعض الشيىء و لكنها اعمال ذات حدة درامية لا نظير
لها كما انها تعتبر بحد ذاتها كقوة ديناميكية اساسية في
الدراما
الاميركية.
-
تينيسي وليامس كتب عام 1935 (عربة اسمها اللذة) و هي رواية فريدة في حدة
تعريتها للمعاني و لكنها مدانة لكونها اعتمدت على وصف المشاعر الحسية من دون
الالتفات إلى اية معاناة سياسية او بعد فلسفي.
- أما ارثر ميلر فكتب عام 1949 (موت بائع متجول) كما كتب (زجاج مكسر) عام 1993. و
أعماله تعتبر محاولة مثابرة و ملحة للتأكيد على قيم التواصل ؛ أي علاقة الفرد
العميقة و مسئوليته من اجل مجتمعات اكبر و أوسع.
-
اوغست ويلسون كتب (سياج) عام 1985 و هي مسرحية تروي قصة حياة عائلة اميركية
سوداء. تمضي هذه المسرحية فتشرح بشكل لا يرحم العوامل التاريخية للتجربة الاميركية السوداء خلال القرن العشرين.
- اما
ديفيد ماميت فقد كتب مسرحية (اولينا) عام 1992. لقد اساء الجمهور فهم هذه
المسرحية عندما عرضت للمرة الاولى و لقد بدت المسرحية و كأنها هجوم على مبدأ
التصحيح السياسي. ان عمل ماميت الاخير هذا يعتبر في الواقع عملا كلاسيكيا
ليبراليا عن فساد السلطة الذي لا يمكن تجنبه او حتى الفكاك من تاثيره.
الشعر
: صوت اميركا
اتى
الشعر الاميركي كله من كتاب واحد اسمه (اوراق العشب) كتبه الشاعر الهام (والت
ويتمان) ,عام
1855. من خلال قصائد هذا الكتاب الملحمية العجيبة المتدفقة عثرت اميركا على
شاعرها الحقيقي. او بمعنى اصح لقد اجاب ويتمان على نداء هذه الامة من اجل صوت
ثقافي مستقل. لقد ناسب عمله هذا اميركا و هي في مراحلها الحرجة، و في حالة
نشاطها، و ربما عندما أرادت ان تكون ديمقراطية ايضا. و لكن على ماذا حصل
ويتمان، شاعر اميركا العظيم بعد كل هذا ؛ الحقيقة لقد خان التاريخ الوطني
لهذه الامة رؤية ويتمان المشعة. و السبب يرجع إلى انه منذ الحرب الاهلية و
صاعدا اخذت تتلاشى هذه الفصاحة الاميركية العظيمة و واقعيتها الشديدة بينما
صُد شعر ويتمان في ايامه معتبرا انه اميركي جدا لدرجة حدّت من شاعريته.
لقد
كتب عزرا باوند في عام 19.9 في مقالة له عنوانها (ما اشعر به حيال والت
ويتمان) يقول: (انه اميركا. ان خامته وحدته تفوق الوصف و لكن هذه هي اميركا.
انه يبدو وكانه تجويف في الصخر يرجع صدى زمنه. صحيح انه غنى للمرحلة الصعبة
العظيمة و صوته دائما هو صوت المنتصر لكنه وعاء عميق وربما كان دواء مقىء
بشكل عنيف. لكنه مع ذلك قد اتم مهمته.)
اما
د. اتش. لورنس في كتابه (دراسات في الادب الاميركي الكلاسيكي) عام 1923 فكتب
عن ويتمان يقول: (هذا الويتمان الشنيع الرهيب. هذا الشاعر ذو العين الفاحصة.
هذا الشاعر ذو الروح الخاصة التي تتسرب منه قطرة قطرة في كل وقت. ان خصوصيته
العظيمة هذه تتسرب منه ببطء و دعة إلى قلب هذا الكون.)
بينا
يقول ف. ل. لوكاس في مقال له عن
(جمالية الاسلوب) : (لربما لا يجد القارىء في
كتاب ويتمان (اوراق العشب) كتابا جيدا
انما سيعثر حتما على رجل حقيقي فيه.)
اما
عن نفسه فقد كتب ويتمان يقول عما شعر حينما كان لا يزال يؤلف كتابه اوراق
العشب : (هناك امر خفي في طبيعتي مثل انثى طير ! انك تراها تتحرك يمينا و
يسارا مستغربة بين سياج من قش و عشب تتطلع بنظرة غير مهتمة ظاهريا و لكنها
تعثر فجأة على بقعة خفية تضع فيها بيضتها بلمحة و سرية و كان شيئا لم يكن.
هذا ما شعرت به و انا اكتب اوراق العشب.)
اخيرا
اتى زمن ويتمان بعد قرن كامل فكتبت عنه المقدمات الكثيرة بينما أبدى عزرا
باوند و اليوت زعيمي حركة الشعر الاميركي الحديث عشقهما
للغته.
ماذا بعد! ان الشعر يتطلب دورا جديدا
و فعالا من قراءه. ان الافاق التجريبية و الاختبارية التي فتحها ويتمان في
شعره كانت على حساب شعبيته. ولكن ماذا يعني ان يكون الشاعر شعبيا ! هل يعني
ذلك جودة الشعر، عظمته، جماله، شدة تاثيره في حاضره ؟ هل يغير الشعر المتداول
و (المشهور) من طريقة تفكير القارى، من موقفه تجاه الحياة.. هل يجعله اقل
بؤسا.. هل تدفعه الابيات وبنيتها والاسلوب والمضمون العظيم. لتغيير دفة حياته
و حياة مجتمعه ؟ و لكن اليست زجاجة (الكوكاكولا) هي ايضا مشهورة ورائجة.. هل
هذا ضمان لجودتها. ام انها في الواقع معيقة لعملية الهضم (على عكس الدعاية
لها) و تعتبر اسفنجة ماصة للكلس في الجسم !
الحق
لقد عبر الشعر الاميركي كثيرا عن ثورويتة هذه الامة و ربما كان ويتمان اول من
اوح بذلك في شعره. الم يكتب الشاعر الان جينزبرغ (اميركا... ها انا ادفع
العجلة بكتفي المدهوشة). ألم تكتب الشاعرة السوداء النسائية نيكي جيوفاني :
(ألتمنى لو كنت اعرف كيف يكون شعور الحر)... الحق ان هذا هو بالضبط صوت اميركا الشعري.
الرواية
الاميركية : الخيال الجامح
الرواية
في القرن التاسع عشر: لقد تميز ادب الرواية في الولايات المتحدة الاميركية في
ذاك القرن عنه في اوروبا. فغرابة التركيبة الاميركية وهذه الملحمة الدرامية
التي جسدت اكتشاف و بناء القارة،و هذا الهوس بتاريخ اميركا الحديث، كله اعطى
الكتّاب ادوات اصيلة و مختلفة من اجل ابداعهم الادبي. و الحق انه بين عامي
1861 – 1865 عندما قامت الحرب الاهلية هددت الامة الاميركية بالانقسام. صحيح ان ذلك قد لقي صداه في هذا الهيجان و الغضب الشعبي العارم، الا ان أثره كان
عميقا وربما جذريا في التركيبة الثقافية لأميركا.
بعد
عام 1865، كان لا بد ان تدخل البلاد في مرحلة تحديث هائلة و ذلك بسبب انفتاح ابواب الصناعة على مصراعيها،تلك الصناعة التي فرضتها الحرب فرضا. فامتدت
السكك الحديدية عبر القارة كلها و ارتفعت ابنية المدن و تضاعفت اعدادا
المهاجرين بشكل مهول. في نهاية القرن التاسع عشر لم تعد اميركا (قارة عذراء)
و انما غدت قوة صناعية كبرى حديثة. و هكذا اخذ القص الاميركي منحى مختلفا
ليواكب هذه الشروط الجديدة : الفن الروائي الرومانسي و قصص التاريخ و
الطبيعة... كل هذا فسح المجال لتلك الروح الجديدة لفن التقرير الصحفي و هذه
النزعة الطبيعية للادب. انها الحكاية نفسها التي تقف وراء بعض الروايات الاميركية الكبرى في ذاك القرن و ساور د هنا افضل عشرة روايات تعبر عن مائة
عام من القص الادبي قبل الولوج في القرن العشرين معتمدة على الموقع
الالكتروني التالي من اجل ذلك : (www.helicon.com)
اولا
: جيمس كوبر الذي كتب عام 1827 روايته (المرج). انه اول روائي في بيداء
اميركا. في روايته هذه ياخذ بطل رواياته الخمسة الشهيرة (ناتي بايمبو) إلى
الغرب الاميركي المقفر لنهر المسيسيبي و يتركه هناك ليشيخ بينما اميركا تمتد
و تتسع غربا ابعد من حدود نيويورك. انها رواية كلاسيكية تعبر عن خيال اميركي
جامح.
ثانيا
: ادغار الن بو الذي كتب عام 1837 روايته الوحيدة (روايات ارثر غوردن) حيث
اظهر فيها تطرف خياله القوطي المعروف. انها رواية كتبت بكثير من الشاعرية
التي عرف بها بو.
ثالثا
: نثنائيل هوثورن الذي كتب عام 185. روايته (الحرف القرمزي) و التي تجري
احداثها في مدينة بوسطن المتزمتة عام 165.. انها قصة امرأة (هستر برين) التي
تواجه القانون الحديدي للكنيسة و الولاية بارتكابها عملا فاحشا مع راعي
الكنيسة.. و هكذا تجبر على ارتداء الحرف القرمزي كعلامة للعار، لكنها تصر على
القانون الطبيعي و حقها في كل ما تفعله. لقد سمى هوثورن روايته (رومانس)
راغبا في تذكيرنا ان روايته ليست قصة حب فاسقة و اما صراع بين دواعي الواقع و
الخيال.
رابعا
: هيرمان ملفيل الذي كتب عام 1851 روايته (موبي ديك). يقول ملفيل انه كتب
روايته تحت اسم الشيطان و هي تراجيديا كلاسيكية تتحدث عن القبطان آهاب
المهووس الذي اراد ان يثأر لنفسه من حوت ابيض شيطاني قد جرحه. تعتبر هذه
الرواية ذات تجربة مضمونية حديثة.
خامسا
: هارييت بيتشر ستو التي كتبت عام 1852 رواية (كوخ العم توم) و التي تجري احداثها في القرن التاسع عشر. انها اشهر رواية في تاريخ اميركا بل اكثر رواية
مبيعا في العالم. لقد تنبأت الكاتبة على راي ابراهام لنكولن ببداية الحرب الاهلية. كتبت روايتها بكثير من الاحساس العالي و هي صورة عن معاناة الرقيق
في اميركا و جفاصة عيشهم.
سادسا
: هنري جيمس الذي كتب عام 1881 روايته (صورة سيدة). الحق انه لمن الصعب تفضيل
رواية على اخرى من روايات جيمس و ذلك لانها تتطور خلال الحقب و حتى بداية
القرن العشرين. لكن هذه الرواية هي روايته العظيمة حيث يختزل فيها قمة نضجه
الفني. انها قصة (ايزابيل اركر) الفتاة الاميركية الشابة، القوية و الحرة
التي تاتي إلى اوروبا لتعيش خبرتها الخاصة و تتعرف على شاب يدعى جيلبر
اوزموند و تتزوجه و لكن زواجها يكون تعيسا.
سابعا
: مارك توين الذي كتب عام 1884 روايته (مغامرات هيك فين). لقد قال ارنست
همنغواي عن هذا الكتاب ان الادب الاميركي يبدأ فيه. و اذا كان جيمس هو روائي
فن القص الحديث فان توين هو روائي الصوت او اللهجة المحلية. كان فين صبي صغير
فقير يعيش في هنيبعل على المسيسيبي و كان يقيم في طوافة مع صديقه الاسود
(نيجر جيم) حيث كل منهما يبحث عن حريته الضائعة و يخبر الاخر بقصته بكل ما
تحمله لغة الاطفال من صدق و براءة و وضوح. مثل النهر،تعتبر رواية توين عميقة
و جميلة.
-ثامنا
: ستيفان كران الذي كتب عام 1895 روايته (اشارة الشجاعة الحمراء). و هي رواية
قصيرة عن شاب اسمه (هنري فليمنغ) تدور احداثها خلال معارك الحرب الاهلية. لقد
كان كران المؤلف صغيرا جدا عندما اشتعلت الحرب الاهلية فلم يعي تماما سير
المعارك غير انه – كما يقول- امكن له ان يتخيل الامر معتمدا على ملعب لكرة
القدم. اما ما يجعل الكتاب ذو قيمة فلكونه رسم ثانية يثانية يقظة الوعي لدى
هذا الشاب. و الحق ان رواية كران هذه لم تعنى بالاسباب التي قامت من اجلها
الحرب و كيف وجد البطل نفسه في وسط المعارك و انما وصفها اللحظوي لخبرة هذا
البطل على خطوط التماس او هروبه منها. لقد اراد البطل ان يكسب اشارة الشجاعة
الحمراء و الحق انه كسبها في النهاية من خلال احدى اروع قصص البطولة و
الاقدام.
تاسعا
: فرانك نوريس الذي كتب عام 1899 (ماك تيغ، قصة سان فرانسيسكو). لقد صورت هذه
القصة سينمائيا فيما بعد تحت اسم (جشع) و هي قصة طبيب اسنان غير مدرب و قاس
من مدينة سان فرانسيسكو يحيى ليشرب البيرة و يعزف على الة الكونشيرتا إلى يوم
يقع فيه في حب فتاة سويسرية جشعة اسمها (ترينا) التي تقتل في نهاية القصة على
يد هذا الطبيب الفاشل. تعتبر هذه الرواية عملا كلاسيكيا من الأدب الطبيعي
الذي يصف بدقة الهمجية الإنسانية. لقد صور نوريس مجتمع سان فرنسيسكو المتمدن
بشكل رائع و ناقضه بالحياة الطبيعية و الصحراوية.
-
عاشرا : تيودور درايزر الذي كتب عام 19.. رواية (الاخت كاري). في نهاية القرن
التاسع عشر غدت اميركا مجتمعا متمدنا. اما شيكاغو،و بعد ان كانت قرية فقد
تحولت خلال خمسون عام إلى مدينة مكتظة بالسكان، عنيفة تعكس ناطحات سحابها و
مستودعاتها و محلاتها التجارية صورة اميركا الحديثة. بطلة القصة هي (كاري ميبر) الفتاة الفقيرة التي تذهب إلى شيكاغو و تغدو غنية بكل الوسائل التي
تتاح لها. لقد صدمت هذه الفتاة القراء بالضبط كما صدمتهم طريقة و اسلوب
درايزر الادبي،هذا الاسلوب الطبيعي الذي جعل من الناس افراد غير اخلاقيين.
لكن دايزر هذا المهاجر الالماني قد القى الضوء على اميركا الخام الحديثة و
سرد قصتها بطريقة لا يجارى بها.
الرواية
في القرن العشرين : الشرائع مقلوبة على قفاها
في
بداية القرن العشرين كان لا يزال الفن الروائي الاميركي تربطه علاقة رفيعة
بالادب الاوروبي و خصوصا الانكليزي.
مع
بداية الثلاثينات من القرن العشرين تغير معيار الميزان الادبي و ذلك بفضل
ظهور ادباء مثل ارنست همنغواي و سكوت فيتزجيرالد و وليم فولكنر و سنكلير
لويس. اما في بداية الخمسينات فقد بدا واضحا ان الكتاب الاميركان، كتاب الجيل
الجديد مثل شاوول بيلو و نورمان ميلر و جون أبدايك والعديد غيرهم كانوا من
بين الروائيين الرواد في العالم. والحق يمكن لنا ان نرجع هذا التغيير للاسباب
التالية :
1 –
التطور الكبير للامة من حيث ازدياد مقدرتها الصناعية و قوتها الاقتصادية و
نفوذها.
2 –
القدرة الهائلة على التحديث التي غيرت حياة الأميركيين و جعلتهم(يبدون) من
اكثر شعوب العالم تقدما.
3 –
هوس الأميركيين بأسلوب الحياة بحد ذاته و وعيهم الشخصي.
4 – و
أخيرا، ظهور أميركا بعد الحرب العالمية الثانية كقوة عالمية مؤثرة في مصير
الأفراد و خبراتهم الثقافية في اغلب دول العالم (مع الأسف)) !
لقد
أتى هذا التغيير أيضا من هذا المزيج الثقافي المميز للحياة الاميركية ذلك ان
اغلب أدبائهم قد اتوا من اماكن مختلفة، و من هذا المخزون الأوربي الهائل الذي
هاجر إليها، و من التقاليد الأميركية الراسخة و من مدن ناطحات السحاب و من
هذا الخليط العرقي و الثقافي الرهيب. فهناك الأدب الأميركي اليهودي، و
الأميركي الإفريقي،و الأميركي الهندي و الأدب النسائي الأميركي... كل هذا
يضاف إلى هذا التنوع الثقافي و إلى سلم الدراما الذي بدا ظاهرا للعيان في
الرواية الأميركية. مع كل هذا الغنى،نجد أنفسنا مضطرين لاختيار بعض النماذج
من روايات القرن العشرين :
اولا
: اديث وارتون التي كتبت عام 1913 روايتها (عرف البلد). تعتبر وارثون روائية
تناولت العديد من المواضيع الاجتماعية وخصوصا انهيار العلاقات الانسانية و
ذلك بحس ساخر فذ. اما العرف الذي وضعته الكاتبة موضع تساؤل فهو هذه العادة الاميركية التي تتبدى في الاعتناء المفرط بتطوير الذات والاهتمام بالنفس خلال
فترة الطلاق. ان بطلة الرواية (اندين سبراغ) هي قبل كل شيىء (قناصة فرص) تعرف
كيف تستخدم الجنس من اجل تحقيق منفعتها الذاتية. لربما نجحت في بداية حياتها
لكن هذا العمل الادبي لوارتون يخبرنا كيف سقطت اخلاقيا في النهاية.
ثانيا : ف. سكوت فيتزجرالد الذي كتب عام 1925 روايته (الغاتس باي الكبير). ربما لم يكتب سكوت كل كتبه بانتباه شديد و لكنه في هذه الرواية فعل. انها افضل ما لديه و هي تعتبر بحق رواية اميركية كلاسيكية. انها قصة الصبي (جاي كاتو) الفقير الذي يغدو غني | |||