الأديبة كلاديس مطر:
الكاتب الحاقد لا يستطيع أن يمسك قلما إلا لكي يكسره

ملحق ثقافي
الثلاثاء 13/9/2005
حوار: منى كوسا

رواية ثورة المخمل.. التوازن فوق حبل مشدود كثيرا ما نسأل نحن المتابعين للشأن الثقافي العربي عامة و السوري خاصة، الى أين وصلت الرواية كفن يحتمل كل شيء ابتداء من علم الجغرافية، ‏ مرورا بالتاريخ وانتهاء بعلم الفلك.. ثم هناك الهم العام، والخاص وكل ما له صلة بالإنسان في هذه الحضارة المعاصرة المضمخة بالأسئلة والتيه! حين نتحدث مع الاديبة كلاديس مطر في الادب، فاننا نتطرق حتما لواحد من المواضيع الاساسية التي تنشغل معظم كتاباتها السياسية بها: الوحدة الوطنية. كتبت روايتها( ثورة المخمل) وهي تتأرجح مثل بطلها على حبل مشدود في سيرك. الفرق انه كان لاعبا محترفا، سرد وقائع الهول في ارض الحضارات القديمة، اما هي فقد سمحت لها الهزات السياسية والاقتصادية العربية باكتشاف سيرك كبير لامحدود الاطراف، متماه في هيئة احتفالية شديدة التمويه..

 تحدثت معها عن رواية ثورة المخمل بالذات لما فيها من قدرة على عكس ما يحدث ويدور في السيرك العربي الكبير.

منى :  تدور فكرة روايتك حول اهمية الوحدة الوطنية كعنوان عريض من خلال لاعب في سيرك يقضي اوقاته على الحبال المشدودة، ولقد رأت فيه الباحثة فاطمة المرنيسي عندما قدمت للرواية انك تتحدثين عن امر ما محدد يحدث اليوم في عالمنا العربي.. برأيك كيف نتجاوز، نحن كعرب هذا الأمر!!

كلاديس : مفهوم الانتماء للارض امر محسوم وفوق أي تأويل وفلسفة، ولاكون أكثر وضوحاً اقول انني انتمي الى هذه الارض السورية بكل ثقلها التاريخي الممتد عميقا في التاريخ والمتفرع على مساحة خمسة حواضر عاصمية قديمة رائعة.. انتمي لفلسفتها واديانها وعلومها كلها معا. انا هذا المزيج وهذه هي هويتي. اليوم، امتدت التفكيكية لتصل الى لب مفهوم الوطن.. انت تعرفين السموم الخارجية التي تدس الينا . هذا المد الخارجي وتلك الضغوطات المصطنعة لاتهدف إلا الى التفكيكية حرفيا.. هي لاترى في الارض كلاً متكاملا.. وهي لاتعرف شيئا عن بواطننا وخصوصيتنا واؤمن ان مايجري الان في العالم ليس وراءه خير الشعوب . لقد كتبت الرواية وانا مضمخة بهذه الافكار. لقد تحدثت كثيرا انا والسيدة فاطمة عن هذا، وهي تعتقد انني كنت اتحدث ايضاً عن المغرب بالرغم من ان احداث الرواية تبعد 0005كم عنها كما تقول. لقد وجدت انني اتحدث عن هوية وحدة وطنية عربية بشكل او بآخر. في احدى المرات ذكرت ان مشكلة الهوية المغربية تكمن في اقتراب المغرب جغرافيا من اوروبا(60 كلم ) فقط.. لقد ضعضع هذا الاقتراب الهوية المغربية واضاف تأويلات كثيراً على القيم لديهم. ولكن في روايتي انتبهت لورطتنا نحن العرب.. حين نلتصق بشكل كبير في الماضي بينما الاعداء اليوم يلتهون بالتحضير للحروب القادمة.. اترين.. نحن نسير على حبال مشدودة كل لحظة امكانية السقوط واردة.. لاتوجد عصا بيدنا من اجل التوازن.. نحن نتكىء على الماضي بكل عجره ونجره.. بينما لانرى الحل في وحدة وطنية تتجاوز الخاص من اجل الصالح العام.

منى : خلال الحديث معك، يشعر المرء ان العالم على طرف هاوية.. لااعرف ان كنت تكتبين من خلال هذه الحالة النفسية.. كانت ارض وادي الرماد كما اسميتي بلاد الشام في الرواية تهتز كلما مرت عليها اثار التحسين الخارجية او هددها الاعداء، هل تختفي هذه الحالة عند الانتهاء من سردك الروائي!!

كلاديس : هل يختفي التهديد، هل اختفى في الماضي..!! اليوم نعيش تحديات كبيرة غير مسبوقة انا ارى ان هناك كما مهما تشريعيا ومرسوميا ومجتمعيا يحدث لمواكبة مايجري وهذا ممتاز!! لكننا بحاجة ايضاً لان نعيد النظر في الاسس. الرواية في الحقيقة تعيد النظر في الاسس ولكن على ذات الارض وبنفس اللغة وعلى يد كل المواطنين.. ! والحق، سورية في الرواية أو بلاد الشام هي دولة عظمى بالمعنى التاريخي والتقني للكلمة.. انسي كل التسميات والتصنيفات التي لا أعرف من اين اتت ولماذا نتبناها.. هكذا اراها بحواضرها وتاريخها العميق اذا عولنا على ذلك وعلى وحدتنا الوطنية . الادب يؤرخ للارض ثم الانسان..

منى :  دعيني اتطرق للناحية الشخصية في الرواية.. اين انت فيها، كامرأة، كمواطن فرد وككاتبة مبدعة!

كلاديس : انا كنت الراوي في الرواية.. وكنت في نفس الوقت في كل واحد من الشخصيات حتى الاكثرها عبثا.. كما كنت ايضاً الاعمدة الاثرية وفسيفساء الكنائس القديمة والجوامع المدفونة في باطن أرض وادي الرماد أو بلاد الشام والتي كانت تهتز في كل مرة يلوح تهديد للهوية في الافق.

منى : افهم اذاً انك كنت حالة بشكل ما في الرواية ! هل هذا صحيح؟

كلاديس : نعم هذا صحيح بدرجة كبيرة ! نشبه كثيرا كرة ثلج عندما نكتب.. نبدأ بحجم صغير طموح وننتهي بحجم هائل محملين بكل ما فيها من احداث وحالات.. ان الامر يشبه الاصابة بفيروس ثم الانتهاء بكل عوارض المرض.. لكن في هذه الصيرورة هناك شفاء ايضا. فحالتي المتأزمة خلال الرواية تدافع عن نفسها ذاتيا في كل طور وهكذا يكتمل العمل الادبي ويصل الى نهايته! واذا كان الموضوع يمس واحدة من الحالات المرضية التي تصيب الوطن  ، فان العمل الادبي يتحول الى غرفة طوارىء وانعاش..لانعرف حين نكتب عن مثل هذه الامور ان كنا سنخرج سالمين في نهايتها ام لا..

منى : افهم ما تقصدين.. اذاً ا نت تطمحين ايضاً الى خلق نوع من الوعي خلال عملية السرد الادبي!!

كلاديس : هناك (خطاب) اريده ان يصل بكل قوة روحي.. انا لاأملك سلاحا ولست مدججة بأي وسيلة اخرى غير قلمي وهذا الحب الكبير للأرض التي أحيا فوقها..! ولست مشحونة بالكره تجاه احد ولاأريد ان استفز فريقاً أو اشتم..! اذا لم يكن الكاتب متقناً لالف باب الحب.. فمن الصعب ان تصل رسالته!! انا اتحدث عن الحب بمفهومه الكبير الشمولي والمطلق. الكاتب الحاقد لايستطيع ان يمسك قلما إلا لكي يكسره!!

منى : حديثنا جعلني افكر، انه كم من الحيوي ان تكون ثقافة الكاتب موسوعية لكي يستطيع ان يغربل كل شيء ويحتفظ بالنقي من اجل الاستمرار.. حضارتنا اليوم متخمة بالمعلومات.. نحن نحيا في عصر معلومات! كيف يستطيع ان يميز الكاتب بين المهم والاهم فيها!

كلاديس :  اعتقد اننا يجب ان نكون انتقائيين بشكل كبير في القراءة، في اختيار الاصدقاء، في الطعام، في الاماكن التي نريد ان نتواجد فيها، ولكن كل هذا لايعني ألاّنكون عفويين ايضاً. ان ضيق الوقت يجبرنا على ان نكون انتقائيين. اما المعيار الذي يجب على الكاتب ان ينتقي من خلاله اعتقد هو المعيار الاخلاقي قبل كل شيء.. وكل ما يصب في مصلحة الانسان بالمعنى الوجداني الكامل للكلمة!! نحن في مرحلة جدا دقيقة وحرجة من تاريخنا الانساني.. فبقدر ما توحي التكنولوجيا باليقين والرسوخ بقدر ما يطيح اي قرار اقتصادي وسياسي بكل هذا اليقين.. أرايت!! نحن نسير كلنا على حبل مشدود في سيرك كبير..!!

 

 

جميع الحقوق محفوظة ©2006 للكاتبة كلاديس مطر