![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
الحب على الطريقة السورية
هناك
في مدينة لاواديسيا ولدت على الساحل الغربي للبحر الأبيض المتوسط. اذكر ان
قامتي كانت كبيرة بحيث كنت قادرة
على
الوصول الى
المدن
القريبة في دقائق، ناظرة الى البيوت في الاسفل بحب و
امتنان.
وعندما كنت اريد ان اتجول في الازقة كنت افعل ذلك بلمح البصر و
خفة.
حتى
انني كنت اجد متعة في الاستلقاء في الحمامات تاركة جسدي المرن بين ايدي
رومانية لتدلكه. ما احلى دعة العيش على هذا المنوال ! لا اعتبارات تفرض نفسها
علي و لا شعور بالذنب.
كنت
أهيم في جنة سورية
من
صنعي و من صنع الله ، هكذا كانت روحي عصية على القياس
بينما الكواكب كرات تتقاذفها يداي لهوا.
اما هو فقد ولد معي في نفس المكان و في نفس الزمان، و لقد أعطينا الفرصة الكاملة معا لنعاين كيف يكون الحب ايضا على شكلنا و مثالنا، سوريا عتيقا نابضا بالروح، ومنفلتا هو الاخر من الاعتبارات اللهم ما يحفظ نقاءه و وجوده ؛ الكرامة المشتركة، التبادل الكامل، و مسامحة الهفوات الصغيرة التي تطفو على سطح قلوبنا كلما استبدت بنا تلك الهموم اليومية الصغيرة التي تنقر على شبابيك الروح !كان هو يقدم نذوره الى ( إيل ) اله القوامة الطبيعية، بينما كنت اقدم نذوري الى (عناة) آلهة خصوبتي، لكنه كان الحب السوري القديم العريق بكل ما فيه من روائح الصوامع والبيادر التي يوشك الفلاحون على حصدها، حب لا يستطيع كهان المعابد ان يقضوا عليه بالفتوة القاضية كما هو الحال اليوم.لقد التقينا مرارا في غرفنا الصغيرة عندما كنا نترك للهو صغارا، ثم عبر ازقة المدينة اللاهية، ثم في حقولها النائية بين سنابل القمح غير الناضجة، ثم في متاجر والدينا بين أقمشة البروكار و العطارة و الزيوت المقطرة و اخيرا في غرفتنا المشتركة، غرفة الحب و الأنفاس المقطوعة. هو الاخر كان سوريا عتيقا يركن سيفه في الزوايا و يغتسل بعد كل معركة ليطفح على وجهه ضوء الأيام الغابرة حين كان ضجيج العربات ذات العجلتين يطغى على همسنا الذي تحميه شمعة مشتعلة على وشك الذوبان !عالم بهي رحب لم يلوثه بعد التقدم في السن....سن البلد التي أخذت اطرافها تتآكل كلما مرت عليها الأحقاب !لقد ساهمت انا و هو في خلق هذه الجنة القديمة، عملنا معا، حاربنا معا، رقصنا معا وذرفنا الدموع معا ! و أنجبنا أطفالا كان ينام في أحلام بعضهم رغبة القيادة و ادارة شؤون هذه الحضارة الخضراء. من كان يمنعهم من الحلم ! لا أحد! لا دين، و لا انتماء، و لا شبهة ليست موجودة. كانوا أحرارا سامحة لهم العناية ان يختاروا ان يصبحوا مواطنين من الطراز الرفيع لمجرد انهم ولدوا فوق ارضها.حين تولد في بلد و تحمل بصماته فوق وجهك، و مع ذلك لا تستطيع ان تحلم مجرد حلم في قيادته فانت لا تنتمي اليه عمليا لان شعلة الانتماء تكون شبه مطفئة ! انك هناك تقف على بابه كغريب و لا تدخل، تتعلق بحافلة منطلقة لعلك تصل مع الركب كله ! بواب على عمارة بلدك او جنائني في حدائقها او ربما ساعي بريد او حتى حلاق لذقون أخرى جعلتها ظروفها اكثر انتماءا منك.و مع ذلك، كان الانتماء يقاوم الغبن، و الشعور بالحب يسمو فوق التسميات، و كنت انظف سيفه السوري البرونزي الثقيل المركون في زاوية غرفتنا بالليمون و الزيت، و اغسل القمصان التي لطختها دماء المعارك الطويلة، معارك الدفاع عن هذه الأرض المباركة.لقد كنت متيقنة ان الحمأة الوطنية التي نشعرها انا و هو أقوى من طموح بلوغ كرسي السلطة الكنعاني العالي. لقد كنا نخاف على حقولنا و البيادر، على كروم العنب و خوابي الزيت و مخزون البلد من القمح. كنا نخاف على مدارس أطفالنا، التي نصبت في حقول الهواء الطلق، نخاف عليها من تلوث الكتب، و من رياح التصنيف، و من نزعة التحليل المضحكة، و من تسييس الكلمات ! نخاف على براميل العطر و المسك و اكياس التوابل المهيأة للرحيل على ظهور الحمير و الخيول باتجاه طريق الحرير. كنا نخاف على دروب البلد الترابية القليلة من نسمات تحسين تطيح بالواح الطين المسمارية و بقايا الرومانسية فيها.
ما
هو الوطن اذا لم يكن هذا الاحساس الدفين بالخوف عليه ؟ و ما هو الحب ان لم
يكن خط رؤيتنا المشترك، انا وهو، حين يجتاز السهول الخضراء باتجاه الشفق !
رؤية المستقبل السوري البعيد، المتنامي مع حبة قمح خارجة من جحرها.
و
في المساء حين نستكين
في غرفتنا
الوحيدة على ضوء شمعة
صغيرة،
كنا نعيد حساباتنا القليلة، كمحاسبين في دكان، بينما
تتصاعد انفاس الصغار النائمين
بكل
امان الدنيا.
عالم
بهي، لم تلوثه بعد
الحمأة
المزيفة المتراقصة
على أغاني وطنية معاصرة ترعاها سوني و مهندسو الصوت و
الموزعون الموسيقيون !
لقد
كانت كلمات الحب في الماضي هي التي تحيك رداء الوطن بتؤدة و
روية،
اما
اليوم فالباعة هم الذين يديرون نوايانا والاحلام ! جنون نطلق عليه اليوم
اسم
اقتصاد !
وهكذا
اصبح علي ان انظف سيوف المعارك
لا بالزيت و الليمون و انما من بقايا تحويل
النفظ و مخلفاته الى منتجات انيقة مصنعة تعمر بها الرفوف.
اننا نتقدم ! هذا ما اقنعنا انفسنا
به ! و هذا
ما نبز به العالم حولنا اليوم، العالم الذي يتطلع الينا بعين
المتشفي الحاقد !
|
|||
|
جميع الحقوق محفوظة ©2006 للكاتبة كلاديس مطر |
|||