![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
سجادة الصلاة أعندما طوى سجادة الصلاة في هدأة الفجر. كان البوليس الفدرالي الاميركي يقرع بابه بشيىء من الحدة. كان ذلك في احدى احياء مدينة اناهيم ، احد المناطق المعروفة في مدينة لوس انجلس . و لان القرع كان شديدا و ملحا، و في هذا الوقت بالتحديد فقد استدعت الضجة اشتعال بعض الاضواء في البيوت المجاورة و استيقاظ الزوجة و عندما فتح السيد احمد عبدلله باب منزله الذي يتالف من طابقين و حديقة و ملعبا خلفيا للصغار، وجد رجالا ببذات سوداء انيقة امامه يعلنوا عن انفسهم و يسالونه الدخول . اليوم بالذات انهى احمد عبدلله سنيه الثلاثين في هذه البلد . انه مواطن عربي اميركي يتمتع بكامل الحقوق المدنية و القانوينة كاي مواطن اخر من الدرجة الاولى . حتى ولديه لهما الحق ان يترشحا الى رئاسة الجمهورية من دون ان ينغص هذا الحلم أي شيىء . اما كونه مسلما فامر لم يتاثر لا بطرقات البلد السريعة اللانهائية و لا ناطحات السحاب، و ان كان قد عانى الامرين لدى تربية طفلية الذين لم يستطيعا ان يحققا هذا التوازن بين عالم شديد الانتماء لقوانينه المدنية ، شحيح الروحانية و بين مبادىء العائلة الاسلامية، فتطرف الاول في ايمانه بينما لم يلتزم الاخر بشيىء فبقي لا معلقا و لا مطلقا كاغلب جيل الشباب من الاميركيين العرب
- تفضلوا رد احمد على طلب أحدهم بالدخول . - شكرا باقتضاب - نعم ، ما الامر ! - او لا نحن اسفين لمجيئنا في هذا الوقت و للازعاج و لكنك تعرف ،كونك تعيش هنا ،كم هي ملحة الامور المتعلقة بالامن القومي و سلامة البلاد . - طبعا ، اعرف هذا الامر و خصوصا الان .و لكن اريد ان اعرف لماذا انتم هنا و ما دخلي انا بكل هذا . - الحقيقة ، كما تعلم ، ان أي عربي هو اليوم تحت المراقبة سواء كان حاملا لجواز السفر الاميركي أم لا .و نحن لدينا مستندات تثبت انك على علاقة بمنظمات غير مقبولة من حكومة اميركا و لها نشاطات ارهابية . - و لكن .. - اسمح لنا ان نطلعك على الحقيقة كاملة من دون مقاطعة .. - أي حقيقة .. انتم مخطئون في العنوان انا ليس لي علاقة باحد و انتم تعرفون ذلك وإذا كانت تهمتي كوني فقط مسلما ، فانا مسلم و سابقى . - اهدأ يا سيد عبدلله . اننا لدينا وثقائق مكتوبة و شرائط مسجلة بصوتك و مراسلات بينك و بينهم . - انا برىء من كل هذا و اقولها مقدما . - انك فوق هذا مواظب على شعائر دينك و هذا امر يزيد الطين بلة . - ماذا ؟! - علاوة على ذلك لم تستطع هذه البلد يا سيد عبدلله ان تترك اثرها المدني على شخصك . نحن نعرف ان احد اولادك مسلم ملتزم كما نعرف انه يذهب كل يوم ليستمع الى خطبة الجمعة في مدينة اناهيم . و اننا نعرف ماذا يعني ان يطلق لحيته بهذه الطريقة و يصر على ارتداء الاقمصة من غير ربطة عنق . - ماذا و لكن ! - و نعرف ايضا ان بريدك يحمل اليك كل يوم المنشورت الاسلامية و الكتب و النسخ الجديدة من القران . - و لكنها حريتي الشخصية ..و انا لا اؤذي احدا ولا اتدخل بشيىء ! - على كل حال .. نحن نريدك ان تاتي معنا لتتعرف على صوتك على الشرائط، و ترى بام عينك المراسلات التي اعتبرناها مهددة لامننا القومي . و ارجو ان لا تخلط الاشياء بعضها ببعض ، فنحن لا نتحامل على الاسلام بذاته . يصمت السيد احمد عبدلله مفكرا، ثم يطلب منهم بصوت خفيض مستسلم ان يمهلوه لكي يرتدي ملابسه و يذهب معهم . خرج الجميع قبل ان تبزغ شمس لوس انجلس، بعد ان ترك احمد عبدلله زوجته بين القلق الشديد و الذهول اما ولديه الذين غادرا المنزل منذ ان بلغا العشرين من عمريهما، فقد علما للتو بامر القاء القبض على والدهما من امهما التي استدعتهما على عجل . اليوم يكتمل وجع الغربة و يصل الى مداه متمطيا . رصيد ضحل من الوهم عمره ثلاثون عاما . مواطنة خياليه و ديمقراطية مزيفه خارجها القانون المدني و باطنها الترهيب باسم هذا القانون بالذات . وفي الطريق الى ( هناك ) اخذ احمد عبدلله يلعن ساعة قدومه الى هذه البلد و يلوم وطنه معاتبا كيف تركه ( يخرج ) من رحمه و يمم وجهه شطر احلام اليقظة . لقد انفجر وطنه الثاني كانية الزجاج امامه و تطاير الى ذرات امام عينية بلمح البصر. لو اعتقل في بلده لظل معلقا فيه ، لبقي في قلبه و لناضل من اجل حريته، اما هنا فقد تحولت الدنيا حوله الى غربة مكثفة مجسدة . انه حتى توقف عن فهم الانكليزية واخذت كلمات رجال الشرطة في الطريق تصل الى مسامعه كاضغاث احلام . و لوهلة شعر ان عقدة حلت على لسانه و ترك نفسه للذهول كابكم . و من جديد اعادو عليه النغمة نفسها عند وصوله و اعلموه انه سيمكث قليلا قبل ان تبدا الجولة الثانية من التحقيقات و انه ليس مسموح له ان يطلب محاميا للدفاع عنه ، و ان عليه الانتظار الامر الذي كان منافيا لقوانين البلد المدنية و لحقوق الانسان . و ابتسم اخيرا و هو في الغرفة شبة المظلمة التي تركوه فيها . و اخذ يقارن ديمقراطية العالم الثالث بالعالم الاول ، و كلما امعن في ذلك كلما اشتدت ابتسامته الى ان سقط على الارض من شدة الضحك. ولم يسترع صخبه قدوم احد، ولم تحرك ذبذبات صداه، السكون في المبنى، او يدفع احدا ما لكي يسترق السمع . فكل من يدخل هنا يدخل مذهولا و يخرج نصف مجنون . و هذه هي القاعدة . القاعدة اعوذ بالله من هذه الكلمة التي اصبحت كلمه من مرادفات الشيطان او اللعنة ! و بقي احمد عبدلله على هذه الحالة لمدة شهرين لم يستطع ان يلتقي بولديه او زوجته و لم يكن يسمح له ان يطلب محاميا او يقوم باي اتصال مع العالم في الخارج . و مع ذلك لم تبدا الجولة الثانية من التحقيق خلال هذين الشهرين و لم يسمعوه أيا من الشرائط التي تحدثوا عنها و لم يطلعوه على أي مستند و كان الانتظار سيده و الحاكم بامره حتى اوشك مرة على الانتحار بسكين بلاستيكية صغيرة كانت تقدم مع اطباق الطعام لولا تذكره ربه في اخر لحظة . لقد جننه الانتظار ، و هده الشوق لرؤية عائلته و قضت مضجعه الافكار و التكهنات و الحسابات التي كانت تدور في راسه و هو قابع في المجهول . و اخيرا فتح باب غرفته في الثامنة صباح احد الايام . و بعد ان دخل عليه رجل بالافطار ، ظهر اخر وراءه و طلب منه بلهجة معتدله ان يرتدي لباسه العادي بعد الانتهاء من تناول طعامه و ان ينتظر . و انتظر احمد عبدلله بعد ان ركع ركعتي،ن مسلما روحه الى الله تاركا كل شيىء على عاتقه . و عند منتصف النهار ، دخل من جديد ضوء الممر الكبير في مبنى الاعتقال الى غرفته و طلب منه رجل اخر ان ياتي معه . و مشى الرجلان زهاء ربع ساعة في ممرات المبنى صعودا و هبوطا و اخيرا دخلا غرفة مكتب كبير. و هناك وجد جنرالا عسكريا اميركيا برتب و نياشين ، يحييه و يطلب منه الجلوس . و عندما التقي نظر الرجلين عرف احمد عبدلله انه سوف يلقى زوجته و الولدين قريبا جدا و ان هذا الاعتقال الغريب واصل الى نهايته . فكر ( اذا سوف يبدأ التحقيق و سوف يسمحوا لي بلقاء محام .يارب !!!). لكن المفاجأ ة كانت اقوى مما توقع فلقد اعتذر الجنرال من احمد عبدلله قائلا لقد كان هناك بعض سوء الفهم و ربما الألتباس فيما يتعلق باسمك . لقد اكدت تحرياتنا المستفيضة ان لا علاقة لك بهذه الاشرطة و الملفات و ان هناك تشابها في الاسماء . نحن نعتذر عما حصل، و اعتقد انك متفهم كمواطن اميركي مدى الاهمية التي نعلقها على الامن القومي، خصوصا هذه الايام . اننا ايضا نتطلع الى تعاونك معنا و مساعدتنا في ضرب الارهاب . ولا تنسى ميزة وجودك كمواطن في بلد الحريات و حقوق الانسان . خرج احمد عبدلله من باب المبنى و تطلع الى ساعته فوجدها الخامسة بعد الظهر .و لم يكن قد اتصل بزوجته و لا بولديه و لم يكن لديه سيارة لتقله الى المنزل الذي يبعد ساعتين و نيف . و تطلع المسكين الى الافق امامه فوجده مسدودا بالمباني المرتفعة و الطرق السريعة و الجسور الضخمة المعلقة. وتمنى لثوان ان يدلف باب بيت اهله في البلد ، هناك حيث هو دائما، في اخر الزقاق . شوارع ضيقة كانت فيها الابواب تقابل الابواب و الشبابيك القريبة تسمح لنظرات الحب و الوله من الاقتراب و التغلغل ، و لروائح القهوة الهاربة من المطابخ المطلة ان تدلف الى حيثما تشاء من دون استئذان ، و لعطور المراهقات الصغيرات ان تعبق المكان . كيف يمكن له وهو يجتاز شارع المبنى الذي خرج منه ان يخطو بقدرة قادر على عتبة البيت الترابية القديمة و ان يتجه الى حيث والدته في وسط غرفة الجلوس و يقبل يدها و يرمي بجسده المتعب على اريكة العائلة المغلفة بالكتان المورد ، اريكة الحب . و لوهلة وجد نفسه يهذي صراخا من شرفة بيت اهله ( يا ايتها المسافة ، و انتم يا رجال الـ ( اف بي آي ) ، و انت ايها الامن القومي المقدس ، و يا ايها الاقتصاد و البورصة و الدعاية و الصحافة و السينما و معامل البوب كورن الاميركية اليكم جميعا اقول ، اليوم بل الان فقط يتساوى لدي الصالح بالطالح في هذا البلد ، اليوم بالذات قام بلدي من بين الاموات في داخلي ، ليس فقط بقفار الوجد و الحب الذين الفتهما فيه و انما بمعتقلاته و قناصي منتصف الليل و حتى بفساده . ) |
|||
|
جميع الحقوق محفوظة ©2006 للكاتبة كلاديس مطر |
|||