![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
الصراع حين تحركه التعاويذ لفت نظري ان التحولات الكبرى في التاريخ حدثت بسبب استخدام القوة العسكرية أو التهديد بها . و كأن التاريخ في انطلاق مسيرته لا يلتوي الا قسرا، و تحت تأثير العنف العقائدي المسلح ! كما لفت نظري انه من الصعب ان تحدث هذه التحولات الجذرية الفجائية، بسبب كتاب نقد أو قصيدة أو لوحة أو مشهد تمثيلي . ان مثل هذه ( الأمور ) تحدث تغييرا على المدى الطويل أو البعيد، بينما تملك الرصاصة العقائدية تأثيرا لحظويا أقوى . يغزونا الأمل كل يوم كمهتمين بالشأن الثقافي ان نرى التحولات تحدث بالعمق ( لا طولا و لا عرضا ) و ان يشمل مداها نسيج روح الإنسان بالذات ..طبيعته الأكثر تجذرا في الإرث و التراث ، و تطلعاته التي مازالت تكبو وراء القضبان . يغزونا الأمل أن نرى التابوات العقائدية مفككة و مطروحة جانبا ، أن تقوم هذه التحولات بإعادة صياغة مفهوم الحرية والكرامة و الشرف لدينا كعرب ، و أن نبدأ بالتطلع إلى الدنيا بعيون من يراها للمرة الأولى ، من دون ذاكرة الماضي المؤلمة ، و من دون هذا الميل القديم لتبيان تاريخنا العربي و كأنه قطعة موسيقية لا نشاز فيها . أول خطوات التيه حين أفكر بالصراع العربي الإسرائيلي ، لا أجده يشذ عن هذه القاعدة . فهو صراع عقائدي - عسكري لدرجة تجاوز شكله العملياتي ليتحول إلى (حالة ) بقائية بشكل ما . انه صراع الفكر المسلح الطالع من الكتب المنزلة و النوايا الغامضة الدفينة التي لا تشي بالمطلق بأي ود لوجود الآخر . صحيح أن العنف المسلح ( خمسة حروب رئيسية إسرائيلية عربية و اكثر من سبعة عشر حالة صراع عنيف بينها وبين جيرانها العرب مثل سوريا و مصر و الأردن و لبنان ) قد ميز هذا الصراع، منذ ان صادقت الجمعية العمومية على القرار 181 الذي يقضي بتقسيم فلسطين، بمجموع 33 صوتا مقابل 13 و امتناع 10 عن التصويت، منهم بريطانيا. و بإقامة دولة يهودية على 56 % من مساحة فلسطين دون القدس ، إلا أن حالة الحرب كانت دائمة بل و لحظوية. فحين كان يتوقف العنف العسكري لفترات ، كان يكمل التهديد وظيفته الأبشع ! ان الفكر التلمودي التوراتي، هو البذرة التي سمحت لبعض الجماعات البروتستانتية في القرن السادس عشر، بوجوب إعادة اليهود إلى فلسطين وتوطينهم فيها. وهذه الجماعات هي نفسها اليوم التي تخلق نفس المناخ التعاطفي مع شعب ارض الميعاد، لدرجة أطلق عليها المسيحية المتهودة أو اليهودية. و تحت تأثير ذلك يستمر رجل الشارع في الغرب بشكل خاص و حتى الكثير من المثقفين و رجال السياسة طبعا، بتصديق هذا الفكر المسيحي الحاخامي المتطرف ، فكر يتشبث بمناخ العهد القديم بحذافيره ، بدلا من الفحوى الرمزي للدين المسيحي . بل انه وصل لقمته حين اصبح فكراً سياسياً عملياً على ارض الواقع و من الطراز الرفيع . و لكن ! أليس مفهوم التعويذة مؤسس برمته على كتابة النوايا على أوراق ، و دفنها فيما بعد و تركها تتحقق مع الوقت؟. إننا لا نعرف من كتبها و إلى ماذا يرمي ! لقد قالوا لنا بأنها تشفي و تعالج و تدفع المحب للاعتراف و حتى أنها تجمل العمى. إنها فوق التحليل و التمحيص و المراجعة و التساؤل تماما . لقد كتبت و كأن حبرها من فولاذ و كأن الكلمات و الجمل مهما كانت تافهة و ركيكة و غير مترابطة فهي متحققة في الزمان و المكان و لا يمكن إزالتها . إن الحروب التي شنها العبرانيون على العرب بدأت و ستنتهي باعتبارها حرب تعاويذ مكتوبة و أدباً سيئاً . و الفكر الذي يحركها هو فكر تعويذي سخيف ، زاد من ركاكته تراجمه السيئة وتفاسيره المبنية على التزوير الجغرافي و التاريخي و حتى الفكري . و من اجل تنفيذه ، لا بد لتوازن المنطقة من أن يقلب رأسا على عقب و ربما لتوازن العالم كله . إن طبوغرافية فلسطين لا يمكن رؤيتها إلا باعتبارها جزءا من التكوين الجغرافي الأوسع للمنطقة السورية .1و إذا ما أمعنا النظر في هذه الطبيعة نجد أنها بتركيبتها تتألف من مناطق بيئية معزولة الأمر الذي مهد لانقساماتها السياسية لاحقا . و لم تكن الرحلات الاستكشافية الأولى للتنقيب في ارض فلسطين سببها الميل البحثي المعرفي الخام ، و إنما النبش في ملفات العهد القديم، ومدى تطابقها مع أحلام الهيمنة الإمبريالية . انه تنقيب عن إسرائيل بالذات في تاريخ فلسطين التوراتي . فلقد كانت التوراة و كتب المؤرخ اليهودي يوسيفوس ( تاريخ اليهود ) و ( الحروب اليهودية ) من أهم مرشدي الحملات التنقيبية على الإطلاق ، و هي مراجع تفتقر إلى الدقة تماما لأنها مليئة بالحكايا و الروايات القديمة، أكثر مما تنطوي على معلومات تاريخية محققة . و إذا ما ابتعدنا عن صخب المراجع التي ذكرتها أعلاه و التي كانت المعتمدات الأساسية في التنقيب الأولي في فلسطين .. لن نعثر على ذكر لأورشليم سوى مرتين و ذلك خلا ل فترة تمتد إلى 1500 سنة ( من بدايات العصر البرونزي الوسيط و حتى نهايات القرن الثامن قبل الميلاد )2 كانت المرة الأولى في نصوص اللعنات المصرية ( و هي كتابات محفورة على جرار الفخار التي يتم كسرها في طقوس سحرية لجلب الأذى للأعداء الواردة أسماؤهم في النقش ) ، حيث ورد ذكر أورشليم و حاكمها ضمن مجموعة من المدن الفلسطينية، التي كانت من أعداء مصر في المنطقة، في تلك الحقبة . ثم ورد اسمها مرة ثانية في عدد من الرسائل المتبادلة بين أمير إحدى دول آسيا الغربية و الملك اخناتون . ثم صمتت الوثائق التاريخية ..خصوصا الآشورية ..إلى أن ظهر اسمها مرة أخرى عندما استولى عليها داوود و جعل منها عاصمة للمملكة الموحدة لجميع قبائل إسرائيل، و ذلك بحسب التوراة من الآن و صاعدا . و هكذا فان الحروب التي ستقاد هي حروب لاستعادة أورشليم التوراتية .. أورشليم النظرية التي يريدون لها اليوم أن تكون ممتدة من المحيط إلى الخليج . كيان افتراضي لقد داخ المساحون الإسرائيليون وهم يزرعون الهضاب الفلسطينية مترا مترا ... ينقبون عن آثار البلد الافتراضي الزائل . فكان كلما ضرب معولهم في مكان ما ، كلما اسقط من يدهم أكثر . و هكذا ، لم تتقاطع قصص محرري التوراة مع ما وقع تحت أيديهم من معلومات نتيجة التنقيب.3 والواقع ، انه خارج إطار التاريخ الحقيقي للمنطقة لا يمكن أن نعول على التعاويذ و الآداب الدينية من اجل المطالبة بحق . و مع إن الهضاب الفلسطينية هي مسرح الحكايا التوراتية ، إلا أنها لم تعرف اركيولوجيا هذه الممالك، و لقد كانت شبه خالية خلال العصر البرونزي (3000-2000 ق 0 م ) و لا اثر للحياة فيها خلال القرن العاشر. و لقد ذكر زائيف هيرتسوغ ، عالم الآثار الإسرائيلي و الأستاذ بجامعة تل أبيب في مقالة له نشرت في هآارتس عام 1999 إن ( الحفريات المكثفة في أرض إسرائيل خلال القرن العشرين قد أوصلتنا إلى نتائج محبطة. إن قصص الآباء في سفر التكوين هي مجرد أساطير. ونحن لم نهبط إلى مصر ولم نخرج منها. لم نته في صحراء سيناء، ولم ندخل إلى فلسطين بحملة عسكرية صاعقة، احتلت الأرض ووزعتها على الأسباط. وأصعب هذه الأمور أن المملكة الموحدة لداوود وسليمان التي توصف في التوراة بأنها دولة عظيمة، كانت في أفضل الأحوال مملكة قبلية صغيرة.) الحق ، إن الربط بين العهدين الجديد و القديم – و لننتهي هنا من هذه الكذبة لننتقل إلى ما هو أجدى و أهم – هو ربط كان سببه الأساسي التشدد الديني اليهودي العجيب عند ظهور المسيح . لقد بدأ الأمر كله كصراع مسيحي يهودي بدرجة امتياز. صراع بين ما كان مكتوبا أصلا و بين رجل أراد أن يعيد الأمور إلى نصابها . ماذا فعل رسل المسيح بكل هذا الإرث اليهودي المتعصب لإقناع اليهود بالرسالة الجديدة ؟ " لقد كان يتوجب عليهم أن يبرهنوا لهم أن المسيح هو المنتظر بالمفهوم الديني اليهودي ، عامدين إلى استخلاص حججهم تثبيتا لمجيء المسيح من كتاب التوراة. أكان هذا من الأقوال التي انزلوها منزلة التنبؤات أم من أقوال المسيح في معرض الحديث عن الناموس ؛ شريعة موسى ."4 و الحقيقة لم يكن هناك أي داع لهذه التنبؤات من اجل الاعتراف بالنبوة لأنها في الحقيقة ما هي إلا شهادة الله وحده . و إن التوراة بكل ما فيها من استنساخ عن التراث السوري الرافدي ( سأتحدث عنه لاحقا هنا ) لا يمكن أن يكون وثيقة للعبور إلى الإيمان المسيحي بالمطلق . كذلك ليس الإسلام بحاجة لشهادة التوراة و تنبؤاته بالمطلق، لان الله هو الذي شهد للنبي محمد ، و إليه وحده انزل كتابه و انتشر بين الأمم كلها . إذا ليست التوراة مصدرا أو مقدمة لما سيأتي بعدها . و لقد تحدث القرآن نفسه عن تحريف التوراة في الكثير من السور 5 ،( ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه و هم يعلمون ) سورة البقرة ، 74 – ( و إن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب و ما هو من الكتاب، و يقولون هو من عند الله و ما هو من عند الله و يقولون على الله الكذب و هم يعلمون ) سورة آل عمران ، 77 – ( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن موضعه ) سورة النساء ،45 – ( قل من انزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا و هدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها و تخفون كثيرا ) سورة الإنعام ، 91 . و يمكننا أن نتصور الخلاف العميق الذي يركن بين اليهودية و هذين الدينين السماويين ( الإسلام و المسيحية ) و الذي تبدى كله في بروتوكولات حكماء صهيون التي تنطوي على بنود التخريب و تمرير الدسائس، و حيث المسيحية هي ابعد ما تكون عن كونها امتدادا لليهودية التي تريد دكها من أعلى سلطة دينية فيها ( البابوية )، و ذلك كما هو وارد في البند السابع عشر من البروتوكولات . الحق ان كل ما يهمنا هو فصل التوراة، الذي هو تراث اليهود الديني و التاريخي عن المسيحية و الإسلام، فصلا تاما ، إن بالعقيدة أو بأي رابط استنتاجي آخر . أما الأبحاث الاركيولوجية الإسرائيلية التي تبحث عن التقاطع بين التاريخي و التوراتي من اجل تمرير أفكار الاستطيان، فهي الاخرى قد اسقط من يدها بسبب نسخ التوراة في اغلب نصوصها عن الرقم الرافدية و الشامية، الأمر الذي دفع باحد الاساقفة في محاضرة له عن مدينة ايبلا ان يقول : ( كانوا يكتبون و كأن امامهم نصوصا ينسخون عنها ) . و ربما كان من أهم النصوص التي استنسخت عن التراث الرافدي القديم هي الأسفار التالية ؛ التكوين ، الخلق ، الطوفان ، أيوب ، جنة عدن ، قايين و هابيل . اما عن التراث الكنعاني فقد نسخوا منه كل الطقوس الدينية و العبادات و التقاليد و الأمثال و الأعداد .... الخ 6 أنبياء جدد بربطات عنق يفهم اليهود بشكل عام السلطة الكونية باعتبارها سلطة الإله اليهودي خلال سياق التاريخ الإنساني . 7 ، فلقد استطاع مؤرخ اليهود يوسيفوس، ان يرى سلطة العالم الروماني على اليهودية، كنتيجة للإرادة الإلهية، لدرجة أنه وجد تبريرا حتى في هدم الهيكل، و رأى فيه نوعا من العقاب و التدبير . و المطلع على تفنيد يوسيفوس يعرف انه مبطن بالسخرية أيضا . فالرومان لم يكسبوا الحرب تماما مثل اليهود لأنهم عصوا الله ، و بهذا المعنى فهم خسروها . إذا حتى السلطة الرومانية بقيت من وجهة نظره تحت رعاية الإله اليهودي . إن المطلع على هذا التراث الديني سوف يعرف إلى أي مدى تحاول العقلية اليهودية، تطويع الوقائع التي لا لبس فيها، و تحويرها بشكل تتناسب و رؤيتها للعالم، و فهمها له . فالحرب هي الحرب ، و الخسارة هي الخسارة ، و هدم الهكيل يعني انه كان و لم يعد موجودا مثلا . و مع ذلك لم تستطع الرؤية اليهودية أن تفهم السلطة إلا من منطلقاتها التوراتية البحتة ، و هكذا خرج هذا العقل تماما من سياق التاريخ و حوادثه، و بقي في إطار الافتراض و الاحتمال . انه عقل على صورة تراثة و مثاله ..قابع في الافتراض و محاولة خلق الحاضر من سقط الماضي المركب . لقد تميزت العقلية اليهودية التوراتية بروح العداء القبلية . فلقد كره اليهود كل ارض نزلوا بها و احتقروا شعبها و حاكوا الدسائس ضده ، و هم باقون إلى هذه اللحظة ، محررين أوفياء للدسائس و المؤامرات و طرق التهديد السرية . ليس يهوه العهد القديم هو نفسه الله في المسيحية والإسلام ، فاله اليهود هو اله غاضب ، غيور منتقم ..هو رب الجنود ، عنيف و ربما متعصب في ( محبته ) . و مع ذلك ، يا للعجب ، يستمر تمرير هذه الأخطاء المصيرية يوميا و إعلاميا و أدبيا، والأهم سياسيا و عقائديا، من دون أن يحرك احد ساكنا . خلاصة القول انه لا يجب ان يكون للتوراة هذا الدور في تحريك سياسة المنطقة بالمطلق ، فان قبلنا انه كتاب اليهود الديني، فلا يجب أن نقبل أن ينفذ ما فيه، و كأنه منزل و على حساب مستقبل المنطقة بأسرها . و لا يجب ان نستمر في الظن ان التكوين يبدأ من التوراة ، لان التكوين و التاريخ بدآا قبل ذلك في سومر منذ أكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد . انه العماء المائي الذي انتقل كفكرة من السومريين، إلى الاشوريين و الكنعانيين و الاراميين ....الخ . فلقد كتبت التوراة في ايام السبي في بابل على يد عزرا، منذ عام 586 ق.م. و ظلت تنقح و تصحح بمشيئة اليهود حتى بعد مجيء المسيح بأكثر من أربعمائة و خمسون عاما ...! إذا ، إلى أين نحن سائرون بكل هذا اللايقين ، و لم يجب على النصوص القديمة ، مهما كانت ، ان ترسم مستقبل الشعوب التي تريد للمؤسسات فقط أن تحكمها و ليس الشعر المرتجل؟ ! ان حكام اليهود المعاصرون هم أنبياء العهد القديم نفسهم، و لكن بربطات عنق حديثة . إني أراهم مشرأبي الأعناق يتلصصون بعيونهم الحجرية، من وراء بزاتهم الأكثر حداثة في منطقتنا وفي العالم، يحيكون الوجود على هواهم . ان المجازر الدينية عبر التاريخ لم تترك مجالا للشك أن دفة القيادة ، لا يجب بعد أن يعثر عليها بين ركام النصوص المنزلة ، مع كل ثرائها التراثي الفاحش و جمالها الأدبي و الفني ، و إنما بين مجلدات القوانين المدنية الراسخة . لقد ظهر الكثير من القادة في تاريخ العربية ممن سحروا شعوبهم التي عاملتهم كأنصاف آلهة . و لكنهم ، مع ذلك ، بعد وفاتهم ، لم يتركوا أثرا يذكر ، لان كل ما في بنيان الدولة كان مرتبطا بشخصهم و ليس بالمؤسسات التي فشلوا في خلقها . و هذه العقلية أيضا لا تعرف أن تنهي صراعا و لا أن تقرأ التاريخ أو تواجه متطلباته . ما زلنا ، كملوكنا و آلهتنا القدماء ، نمارس سلطة مركزية مقدسة في البزة الأوروبية الأكثر أناقة ، بينما ترقد تحت وسائدنا نسخ من الكتب القديمة المرصعة بالمحللات و المحرمات . بابل ، التوراة ، و تيارد دي شاردان ان النظرة للحياة و الكون في الحقيقة قد تطورت عبر مراحلها الأكثر أهمية في التاريخ : البابلية و التوراتية و أخيرا الكنيسة الغربية تحديدا . و من بينها كلها كنت أتمنى ان يكون نشيد التكوين بنسخته البابلية الكوسموغونية ( اينوما ايليش ) ، و الذي هو من أعظم الأدبيات الدينية القديمة على الإطلاق ، هو المعتمد بدلا من التكوين التوراتي الذي أخذت به الكنيسة المسيحية الشرقية من دون رفة جفن أو تمحيص . لقد كنت أتمنى ان ننهل من النصوص الأولى غير المحرفة ، النقية ، و حتى من الرقم الأكثر تأذ بينها وأن نعتبرها التراث الفعلي الأول لحضارة الرافدين و بلاد الشام، و الدين الضمني لشعوبها . وان نعيد إحياء هذا التراث المرة تلو الأخرى كأغنية لا نمل من سماعها، بدلا من الضياع في التفاسير و الاجتهادات اللاحقة التي خلقها الفهم الأكثر إحباطا و ارباكا لمفهوم الله في المسيحية و الإسلام . إن الازدواجية التي يعيشها العقل المرتبك سببها الرجوع المؤلم للماضي غير البعيد ، ماضي الحقب الدينية التي كان يجب أن تكون إشعاعا لا لبس فيه، و طريقا واحدا لا غير باتجاه الحرية الروحية للإنسان . لكن ما حدث كان مرعبا حقا . لقد تم التلاعب حتى بالتراث و تدجينه و تفسيره و شرذمته لصالح السياسي. و هكذا خلق دين آخر لم يكن بالحسبان ، دين وليد جديد لا أجد أي نبي كريم سابق مسؤول عنه أو له صلة به . انه دين خرافي قمعي خلقه عقلنا الذي لا يرى استقرارا له إلا في التفكيك، و إعادة الصياغة، بحسب قناعاته الضيقة الآنية . لقد أخطأت الكنيسة الشرقية المسيحية عندما لم تستطع أن تخلق هذا الرابط بين الإيمان والعلم فابتعدت بنفسها عن حركة الزمن المتصاعدة المتبدلة و ربطت من دون ان تدري العقيدة بالغيبي المقدس ( المنسوخ و المركب – التوراة ) الأمر الذي لم يكن ابدأ لصالح هذه العقيدة بالذات . لكنه في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ظهر كاهن مسيحي يسوعي يدعى ( تيارد دي شاردان ) ، درس في السوربون، العلوم الطبيعية و الجيولوجيا و علم النبات و الحيوان ( 1919-1923 ) . وحاول ان يؤسس النظرة الشمولية إلى الكون و الحياة من المنفذ الأكثر انسجاما مع العلم . فلقد تحدث عن ( طبيعة المادة ) في فصل فذ مبتكر ، قائلا انها لا يمكن ا ن تستمر في حالتها الظاهرة الستاتيكية ( الساكنه ) وانما تحمل بذور تطورها في داخلها ، كما تحتضن بشكل استثنائي حركتين متضاربتين على الدوام خلال مسيرتها نحو البناء و الاكتمال أو التحول . هكذا الماضي ،يتبدل لونه و يتخذ اتجاها مختلفا من حقبة لاخرى . انه يتحول بقدرة فتية جديدة في كل مرة . 8 و( النقطة الحرجة ) التي تحدث عنها شاردان ( point crucial ) أثناء تناوله لظاهرة الإنسان هي بالضبط هذا الاختلاف النوعي في الارتقاء ، و تحديدا خلال المرحلة التي خرج فيها وجدان الإنسان من رحم الحيوان، و تحول إلى ( فنان ) بدرجة امتياز مقارنة به ، أي انه خرج من رحم المادة المتحولة إلى وجدان الروح . أما ارتقائه ، بحسب شاردان ، فكان من خلال العلم و التقنية و الفن و الحياة الاجتماعية و الجنس الوجداني والأخلاق و معاينة الله . وهكذا فانه يرى ، بحسب نظريته في التطور المادي الروحي أن ( قصة التكوين التوراتية هي محض خرافة ، خلقتها مخيلة الإنسان البدائي الذي لم يستطع تفسير ظواهر الكون تفسيرا علميا و فلسفيا جليا ). و بالتالي، فانه يعلن أيضا سقوط التواريخ الواردة في التوراة من حيث عمر الإنسان الذي لا يتعدى بموجب التوراة اكثر من 4000 سنة ، بينما يرجعه العلم إلى 3 ملايين من السنين . 9 . و هكذا ، بسقوط كل هذا يسقط تاريخ الخليقة و قصة آدم و حواء و نوح و سلالته كما أتوا في التوراة ..و نكون بالتالي امام حقيقة ان هذا الكتاب لا يستند لا على علم و لا على وقائع و هو لا قيمة له إلا لحقن وجود اليهود اليومي و الشرعي و إدارة دفة الصراع اللانهائي التعويذي ان هذه الفكرة المبتكرة لتفسير ظهور الإنسان تعتبر خرقا أولا للفكر اللاهوتي القديم و تحديدا التوراتي الذي يبدو الآن أمامها ضحلا و أسطوريا بدرجة ما . ليس الإنسان جزءا من الطبيعة بعد الآن و لا تحت سطوة أي سلطة شكلية ، و بحسب هذا المعنى ، أصبح هو العنصر الأكثر ندية لها ، و الراغب في تفكيكها و السيطرة عليها . لهذا، نجد انه ضرب من المستحيل أن يكون هناك نهاية لأي صراع مبني على العقائد الثابتة - طالما الثابت غير موجود حتى في المادة - الواردة في كتب حكايا الحياة القديمة . و مستحيل ان يبقى المبدأ مبدأ ايجابيا بنفس القدر في غمرة التحولات المهولة المستمرة التي تصيب هذا الكون كله . لهذا ، المواقف الإنسانية هي الأخرى جزء لا يتجزأ من هذه التحولات ، فبقدر ما تسايرها و تحافظ على خطها متجددا و معدلا ، بقدر ما تؤمن الاستمرارية لها بحلل أخرى مختلفة . غير ذلك ، لا مجد، و بلا طائل، أي جهد يصرف بغير اتجاه، و إنما قد يكون سببا مستمرا لخلق الصراعات الأكثر دموية . الصراع العربي/ الاسرائيلي – الاميركي أعود إلى الصراع العربي الإسرائيلي التي مازالت رحاه دائرة إلى اليوم . ان الملاحظ العادي سوف ينتبه إن الإرهاب بكل أشكاله و تداعياته، مرورا بالحادي عشر من ايلول، و وصولا إلى آخر مفرقعة صغيرة في ضواحي بغداد .. هي ثمرة لهذا الصراع العقائدي الأول في الشرق الأوسط، و الذي جسده اليهود والفلسطينيون منذ أول قدوم لهم إلى ارض كنعان . انه صراع أدب سيء خلق امة افتراضية ذهنية توراتية خالصة و أراد أن يحققها بقوة التزوير و الترهيب ففي عام 1976 و بعد وصول جيمي كارتر الى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية قال : ( إن تأسيس إسرائيل المعاصرة هو تحقيق للنبوءة التوراتية .) و هكذا ، و بعد قرار الجمعية العمومية ببضعة اشهر بدأ أطول مسلسل عقائدي يهودي في التاريخ الحديث ؛ فلقد نفذت منظمتا ( شتيرن ) و (الارغون) اليهوديتان مذبحة في قرية دير ياسين القريبة من القدس قتل فيها 250 فلسطيني، تبعتها مجزرة اخرى ارتكبها اليهود قرب طبريا. و هكذا كان بداية نزوح الفلسطينين إلى الدول العربية المجاورة ، و كأن تاريخ هذا الصراع مبني على دورة ( يوم لك و يوم عليك ) مستعيدين قصة السبي البابلي القديمة . الحق لست بحاجة لانعاش الذاكرة العربية كثيرا فيما يتعلق بتواتر حوادث الصراع و تأريخ ما حدث، و انما اردت لفت انتباهها ، خلال مراحل الصراع كلها، إلى كيفية ردود فعل العرب، تجاه القرارات التعسفية بشان قضيتهم و كيف بدأ تعاونهم في سبيل انهائها ! و الحق ان مثل هذه القراءة تدفعنا إلى الاستغراب الكبير حين ننتبه إلى انه بالرغم من كل هذه المقاومة الظاهرية التي نراها ، لربما كان التواطؤ في ضياع فلسطين هو الحقيقة الأولى الخفية . و كأن الجهل بالتاريخ أول خطوة في طريق هذا التواطؤ الطويل . فبعد ان احتلت اسرائيل ميناء ايلات على خليج العقبة وأصبحت عضوا في الامم المتحدة، و أعلنت القدس عاصمة لها ..... و بعد العدوان الثلاثي في عام 56 على مصر من قبل اسرائيل و بريطانيا و فرنسا، و رفضها الانسحاب من غزة و شرم الشيخ... و بعد حرب حزيران 67 بينها و بين العرب، و احتلالها قطاع غزة و الضفة الغربية في فلسطين و شبه جزيرة سيناء المصرية و مرتفعات الجولان السورية ..... و بعد حرب الاستنزاف، بينها و بين مصر عام 69 على جبهة قناة السويس وإحراق المسجد الاقصى في العام نفسه من قبل اليهودي الاسترالي مايكل روهان ..... و بعد اندلاع المعارك على الجبهة السورية الاسرائيلية في الجولان، و على دلتا النيل و صعيد مصر، في السنة اللاحقة ، اقول بعد كل هذا ...اخذ ينكشف الفكر التعويذي التوسعي اليهودي خطوة خطوة امام أفواه العرب المفتوحة، و قلة حيلتهم و جهلهم بالتاريخ. ان الالتزام بالوطن القومي لليهود هو من الثوابت الراسخة في السياسة الاميركية الخارجية، ابتداءا من روزفلت مرورا بترومان و كارتر و انتهاءا ببوش الابن . اما المدحلة التوراتية الدينية التوسعية، فقد اكملت عملها ، فاجتاحت اسرائيل جنوب لبنان عام 1970رافضة الانسحاب حتى حدود 67 بمعونة حق الفيتو الاميركي، الذي اخذ من الان و صاعدا يترك هو الاخر نفسه منقادا وراء احلام ارض الميعاد، التي حكت عنها اساطير التوراة التي اصبحت مقدسة مسيحيا، بعد لصقها بالعهد الجديد و غني عن القول ان الحرب الاهلية التي اندلعت في لبنان عام 1975 كانت بداية المتاهة المرعبة، التي سوف يساهم في خلقها الاعلام العربي و الغربي من الآن و صاعدا . لقد قرع جرس الخطر و بدأت الانقسامات في الموقف العربي تتبدى على مذبح هذه الحرب، التي انهكت كل من اقترب منها بوصة واحدة . أهداف الله !! في عام 1975 استفاق العرب على توقيع مصر و اسرائيل اتفاقا انتقاليا ينهي حالة الحرب بينهما، على ان تفتح قناة السويس امام السفن الاسرائيلية غير العسكرية . و بعد عامين كان انور السادات يقف في الكنيست الاسرائيلي متحدثا عن السلام ، بينما رفضت اميركا على لسان رئيسها انذاك جيمي كارتر، اقامة دولة فلسطينية مستقلة. هذا الرئيس الذي يقوم اليوم بمهامه الانسانية المستقلة متنقلا من عاصمة إلى اخرى !!!!!!! ترك هذا انطباعا أن الصراع العربي الاسرائيلي قد انتهى بجزء منه كما قالت لنا عناوين الاحداث. و لكن ، لماذا بعد كشف النوايا الحسنة و تبادل الزيارات و الابتسامات و الصور، لم تتغير التعاويذ؟ و لم يستطع ان يرق قلب يهوه و لو بقدر بسيط ؟! ولما خططت اسرائيل لاحتلال عشر لبنان فيما عرف بعملية الليطاني، و اقامت حزاما امنيا لابعاد الفدائيين عن حدودها ، بينما كانت تكمل توقيع اتفاقية سلام كاملة مع مصر، و اقامة علاقات اقتصادية و ديبلوماسية و ثقافية طبيعية معها ؟ و لم اصرت في العام التالي (1980 على اقرار قانون في الكنيست | |||