السرد الأكثر دسامة

بقلم :محمد المزيني ( روائي سعودي ) و كلاديس مطر

تبرع القواميس الكبرى العربية و الغربية كل منها في تدبيج معنى ( للسرد ) أو ( القص ) ...!فبالرغم من ان القارئ العادي يعرف ضمنا، أكان بين يديه رواية أو قصة قصيرة, إن هناك (حكاية ما ) تتلى إلا ان تعريف الكلمة بكامل حدودها أمر لم يجهد في البحث عنه، و هو ان فعل فانه مالك لأحد أهم المعايير النقدية على الإطلاق.


والحق،ليس لدينا رغبة هنا أن ندخل في متاهات و دهاليز كل قاموس على حدة و إنما نريد للمعنى المشترك بينها أن يكون جليا في الأذهان فيعرف القارئ و الكاتب معنى و حدود فعل(السرد أوالقص)!
و قاموس وبستر توحي شروحه بهذا القاسم المشترك . فأن تسرد يعني أن تخبر ، أن تشرح العلائق بين الفكرة المطروحة و النهاية ، أن تذكر أسباب حدوث الوقائع أيضا . أما فكرة القص لدى الفرنسيين فقد بدأ معناها يكتمل في القرن الثالث عشر حين عنوا به القصة القصيرة التي تخبر حكاية بطريقة فنية مبتكرة .واعتقد ان بلزاك ( القرن الثامن عشر ) كان سيد القص القصير حيث امتلأت قصصه بحكايات الحب التي كان يسردها بشكل مسرحي ، فخلق عالما تملؤه خيانات الزوجات و إخفاق الأزواج و العهود غير المستوفاة .
اليوم أخذ السرد أبعادا أهم و اعمق أو لنقل مجازا .. غدا اكثر دسامه ، إذ لا يمكن لأي كاتب أن يصبح شاهداً على مرحلة ما بمعناها الحرفي ما لم يكن ساردا ،ً يلتقط شخوصاً جاهزة وغير جاهزة وهي المهمة الأصعب , وأحداثاً مفتوحة ، ليندرج ذاته، كراو ، ضمنا داخل الوعي الجمعي الذي يفرض شخوصه وأزمنته , بينما الراوي يستنسخ منها أحداثا توحي بطبيعتها   .
لذلك تبرز الأعمال السردية ( و نقصد بها الأعمال التي تسرد و تقص مثل الرواية و القصة القصيرة ) الأكثر دسامة ورخاء من بين الأشكال الإبداعية . فالقاص أو الروائي يمارس من خلاها لعبة تقاطعات الأفكار الملبوسة بالحياة و الملتبسة أمامها . فهو المحرض الأول لتشغيل مركبة الواقع ، جائبا الفضاء السردي , ومقتحماً هجعة الأمكنة المنسية , معيدا تركيبها وصياغتها لتمور الحكايات نافضة من عباءاتها وجوه وأسماء مندثرة بصمت , ليبيت مسكوناً بها مشدودا باتجاه ما تمليه أحيانا طقوسها الخاصة.
ويبقى هذا العالم عالم السارد قبل أن يكون عالما فنيا مقدما للقارئ ! عالم رغباته و أحلامه و خلفياته .. عالم غضبه و فرحه و وجهات نظره التي يريدها أن تتحد بكل ما يتحدث عنه !ولهذا ، فليس ثمة جرف حدي أو هوة فاصلة بين الروائي أو الحكواتي وبين مجتمعه الذي ينهل منه حكاياته . انه يتحرك داخل منصة مجتمعية ليس للتقصد الذاتي فيها اية إرادة كاملة،لأن من شروطها (التأثرية ) بهذا المجتمع المسكون بالراوي . وبما انه لا يملي رغباته الخاصة ، فهو المعبر الصادق الأمين من خلال أحاسيسه ومشاعره عن ما يعتمل في عقول الناس وأرواحهم وقلوبهم وهنا تكتمل اللوحة المزركشة في فضاء السرد الشعبي او المجتمعي .
 و لمزيد من الدقة في تحديد إطار العلاقة التجاذبية بينهما نقول : إن الروائي يشبه عمليا شرطي المرور الذي ينظم السير والاتجاهات ليحل من عقدة الفوضى التي تخلقها الشخصيات و تقاطع الأحداث و وجهات النظر و الحوارات . لكنه، مع ذلك يظل رهن مناخات العمل بشموليته إذ تملي أحيانا طقوسها الخاصة بها. وكل مرحلة تعاقبية في الرواية تمثل حالة اقصائية مفاجئة .والمفاجأة هي عنصر الانتقال بين المراحل السردية المحكومة بالمناسبات الشخصية التي تلبس الأبطال في حلبة الأحداث . وثمة حالات أخرى مكملة للعمل ورديف له ستأخذ طريقها للبوح تراتبيا حسب أهميتها. و هنا نجد ان للراوي الفضل في تقديمها  من خلال لغة سردية حية لذلك يبرز السرد الاكثر دسامة متماشياً أو إن شئت منصهراً مع توترات أحداث الرواية وأزمنتها وأمكنتها ولغتها وشخوصها ومن بينها الراوي ذاته المبدع لهذا الفضاء . 
ومن خلال السرد تركن الهواجس الفردية للراوي كالنار تحت الرماد . لذلك يسعى للاتحاد بهذا الوعي الجمعي ، كما أسلفنا ، انه يدير دفة ما يجري ، محركا بوصلته و منقبا في الرماد حوله ، و بهذا فهو يتجاوز عملية ( مجرد السرد ) و ربط الأحداث ببعضها و تزيينها بالحوارات و بعثها بحلة فنية ، إلى تبني موقف و المجاهرة برأي .
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فالفخ لا يمكن مع ذلك تجنبه ، حتى لو صعد الراوي إلى السماء أو نزل إلى الأرض و اقصد بالفخ هو انه رهن طبيعة الإعلام و دوره و فعالياته . فالإعلام يلعب حتى بطاقة الراوي السردية و ينجرف به و يتداخل مع كينونته . و هذه المحطات الفضائية التي ملأت بيوتنا وهزت الرأي العام ليل نهار تؤثر أول ما تؤثر بقدرات الروائي السردية إذا لم يكن مسلحا بدرع ثقافي متين، إذ كيف له أن يفرز الصالح من الطالح و كيف له أن يدرك ما هو خير لهذا المجتمع الذي نذر نفسه له ؟! بل كيف يمكن لهذا الإغواء المتحرك المواظب أن لا يطال حتى ذائقته و يشوه له الباقي من بصيرته ؟ !. إذا ، السرد ، من جهة ما في ورطة بسبب تنوع المصادر حول الراوي و تشعبها و اختلاف انتماءاتها .
و الحق قد لا ينتبه أحد لخطورة التأثير الإعلامي على طاقة السرد لدى الكاتب أو الراوي فهو خطر غير مرئي ، وغير مباشر ، يحدث بهدوء و لكنه ذو مفعول رجعي قاتل . إن أحد أهم وظائف الراوي أو السارد الإبداعية هي القراءة أو الاطلاع على ما يحدث في العالم حوله و ذلك على عكس رجل الشارع الذي لا يهتم إلا بما له صلة مباشرة أحيانا في حياته
الاقتصادية .و لهذا ، فان وجهة نظر الراوي تتحول إلى نوع من القانون بالنسبة للرأي العام و بالتالي فان وقعها يكون مدويا و محركا بل و حاسما . انه احسن من قدم المعلومة على طبق فنيته المزخرفة و ربما البسيطة ، فيأخذ العقول و يسبي الألباب و يشعر المتلقي ان ما يقوله ليس سوى الحق و الحقيقة . و هنا تكمن المسؤولية الشديدة الخصوصية ( لكاتب الكلمة ). فبقدر ما تلعب أوامر البنك الدولي في مصائر الشعوب كذلك تفعل ( الكلمة ) المكتوبة المقدمة فوق أطباقها الفنية الجميلة . وكذلك لا نجانب عين الصواب حين نقول أن   تداخل الروائي من خلال نص إبداعي مع الخطاب الأيديولوجي - سواء نقداً أو تحليلاً أو حتى توصيفاً - يوقع الكاتب في فخ الانصياع لسلطة هذا الخطاب , لأن التداخل هنا يبدو ثقافوياً مسيسا أكثر من كونه اشتغالاً إبداعياً ,تكون فيه أركان العمل الرواية الخمسة ( الأحداث , الشخصيات , الزمان , المكان , ثم لغة السرد) مملوكة مجازيا لتوجيهات سلطة هذا الرقيب المقصود به الخطاب الأيدلوجي الذي لا يسعده البتة كما لا يسعد رسله و أتباعه   أي نوع من التجاوزات التي ستخلخل أو تغربل هذه السلطة . لذلك قليلون هم الذين تخطوا عتبات هذه السلطة ودهاليزها وخرجوا إلى فضاءآت رحبة ، حتى وهم يتداخلون عنوة مع هذه الخطابات الأيديولوجية لم يدنسوا شرف الكلمة والحقيقة المتضمنة داخل السرد الأكثر دسامة . ثمة أعمال قصصية وروائية إبداعية تخلصت من تبعات هذا الاندفاع الصحفي والإعلامي المؤدلج , المدفوع الثمن مسبقا ,   وقدمت تشكيلاً جديداً في عالم القص وإن تماهت مع أشكال الخطابات الأيديولوجية إلا أنها لم تضعف أو تتواري خلفها بل تماسكت في ثكنة مواجهة تماما لها ،بينما باتت الأعمال المغشية بأنفاس الأيدلوجي السياسي مكشوفة وعارية لا تحرك ذائقة القارئ الواعي لقراءتها أو الانجذاب لها مهما بدت للوهلة الأولى عظيمة فهي لا تعدو مثل زوبعة في فنجان أو فقاعة صابون لا تلبث أن تنفجر .
اصبح السرد اكثر وعيا و حنكة إذ لم يعد لا الأيديولوجي و (السائد) من العقائد و المنزلات الاجتماعية هو الذي يشغل بال الكتاب و إنما انتقلت الصنعة كلها باتجاه ( رجل الشارع المهمش ) . لقد عثر السرد الأكثر دسامة على ضالته في تفاصيل حياته ، و هواجسه و قصص حبه المخذولة . اصبح السرد أداة للنضال الشخصي و الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي . لقد ترك السرد الكلمة تصل إلى قاعها فتجوب و هي تحمل مناظيرها الخاصة   العالم السفلي القاعي للمجتمع حيث الحقيقة الصرفة الخالصة . و لم يكتفي السرد بذلك و إنما اخذ يعكس هذا الصراع بين الهامشي و الأيديولوجي الصنمي بكثير من اللؤم و المواربة و الحنكة . و لقد فرز هذا الصراع أشكاله الأدبية الخاصة و تراكيبة القصصية و الروائية المتنوعة . و لهذا فمن العبث الحديث بعد الآن عن ( نقل الحداثة ) أو ( التحديث ) أو ( التأثر بالآخر ) كثيرا .. فإذا لم تكن قوالب و أشكال نصوصنا هي من سفل الحقائق في مجتمعاتنا العربية فان أية عملية
 ( نقل ) أو استنباط سوف تبدو مبتورة و غير ذات معنى . صحيح اننا نتجه في طريق ( القالب السردي المشترك ) أو العالمي غير ان هذا الطريق لن يصل إلى ذروته إلا من مر بهذا العالم السفلي المحلي الذي ذكرناه سابقا ! فكل فهم للآخر سيكون عبر ذاتنا و كل تفاهم معه سيكون من خلال تفاهمنا مع عقائدنا و مصطلحاتنا الخاصة المحلية و كل مشروع وحدة معه يبدأ من وحدتنا و انسجامنا مع ذواتنا . و هكذا يبدو السرد الأكثر دسامة عملية نفسية تطورية ثقافية بدرجة امتياز. إن القالب السردي الأكثر كمالا هو نتيجة لهذا العقل الذي استطاع أن يخلص ذاته من الكثير من القشور غير الضرورية . فالعقل الذرائعي ، الخائف ، المناور ، غير المواجه ، اللاموضوعي ، المزاجي ( و هي إحدى صفات العقل العربي السلبية ) هو عقل لا يستطيع أن يقدم إلا سردا على صورته و مثاله . و لهذا ، فان السرد لكي يكون اكثر دسامة يجب أن يمر من بوابة عقل عربي جديد الصلاحية .
 لذلك نجد أن ثمة شروطا بذاتها تمهد للبيئة الروائية السردية. فليست الاعتبارات التي تحكم السرد هي ذاتها التي تتدخل في تنفيذ المشهد السينمائي مثلا ،حيث معطيات المشهد تخضع لمعادلات من نوع آخر يحددها المكان و اللقطة و الضوء و الكلمة و الحركة و مواصفات الممثل الجسدية و مهارته في الأداء كذلك وجهة نظر المخرج و مدى انسجامه مع الحوار الذي بين يديه و تطابقه مع قناعاته و رغبته في ترك بصمته الشخصية عليه . فالمشهد هنا هو ثمرة عمل جماعي ،بينما تتحكم في السرد الروائي توليفة فردية خالصة ،نفسية -اجتماعية -ثقافية وبيئية . . لذلك تنصف الحياة الكاملة ذاتها من خلال السرد السينمائي المتكامل و من خلال السرد الروائي و ذلك متى عُمل على التقاط صورها الحية والناضجة المفعمة بايقاع الواقع . والمهارة بالنسبة للروائي تكمن في قدرته الذهنية الخاصة على فرز ألوانها من خلال حبكة سردية حاذقة ومقنعة تشعر القارىء بتورطه فيها و تداخله معها .
لذلك لا نجزم بنجاح أي تجربة روائية ما لم تكن متماهية مع عالم ساردها و مع مجموع هذه الأشياء الحاملة لثقل تنوع الثقافات والاتجاهات والتغيرات التي هي في بنية الصيرورة الزمنية للتاريخ . أن روائياً لا يدس قلمه في بيئة ما إلا إذا كان ابنا لها متماهيا فيها و معها و إلا سيصبح مزورا لها تماما كمن يكتب عن بيئة غائبة لم يسبق أن طوفت بها عيناه قبلاً. فالكتابة عن بيئة غائبة ومشاهد غير مرئية هو نوع من التزوير المتعمد الذي حتماً سيوقع الروائي في مطب الصور الناقصة أو المشوهة . و هنا يتحول السرد إلى تداعيات كاذبة ليس إلا .
إن قدرة الروائي تبرز اكثر ما تبرز من خلال تماسك جذوره مع جذور العالم السفلي لمجتمعه .إنه و الحالة هذه يشبه الغواص الذي يستخرج المحار من أعماق البحار ليقدم نصا جديدا و مختلفا . إن هؤلاء النوادر من الروائيين تراهم يعتمدون العالم الداخلي في الوعي الجمعي القائم على الأسطورة مثلا كمحور لنصوصهم باعتبارها شاهدة على تاريخ مجتمعهم الاول ، تاريخ الإنسان . و الحق ،اننا نعثر في الرواية الأسطورية على العمق الرؤيوي للكاتب و مصداقيته الكاملة لأنها ببساطة تركز على المناطق المعتمة من تاريخنا الشعبوي غير المدون والكشف عنه من اجل جعله مبصرا وواعيا بدلا من الإبقاء عليه عشوائيا وعبثيا .وهذه تجربة يخشى البعض بلا مبرر خوضها والتماس معها.
يبقى السرد الأكثر دسامة هو الأكثر كشفا و قربا من القاع .. هو الأكثر ألما لأنه الأقرب إلى لب الحقيقة ، هو الأكثر أملا لأنه الأقرب إلى لب الإنسان ،وهو الأكثر فنية لان الشعر يكمن في الحقيقة العارية الصرفة ، و في الصدق الذي لا يصدق .
نتذكر كتاب و كاتبات يمتعهم القص عن مجتمعات لم يدخلوها و عن أسرار لم يكونوا جزءا منها و عن أشخاص لم يمروا حتى في خيالهم ...نبتسم لأننا نعرف بالعمق ما هو السرد الأكثر دسامة !

 

جميع الحقوق محفوظة ©2006 للكاتبة كلاديس مطر