![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|||||||||
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|||||||||
|
الماضي المقدس ( الصوفية، نموذجا للإبداع المعارض ) يحثنا النص الديني تلقائيا أن ندير وجوهنا باتجاه الماضي . أن نرى ملاذا فيه ، أن نعامله كآنية نفيسة ، كلما قدمت كلما زاد ثمنها ! حتى الشروخ التي فيها و شكلها المتداعي هو ( دليل ) على ندرتها و ثرائها . انه قطعة الحلي النادرة التي تتجاوز متطلبات الحاضر و معطياته لتصلح لكل مكان و زمان كما يعبر عن ذاته هذا اللاهوت الماضوي الشديد السطوة . لكن المراقب العادي يعرف أنه بالعمق يرتبط بمكان و زمان أنبياءه و مفكريه و حكامه . يرتبط بحقب بعيدة ذات سحنة مضمونية مختلفة ، و ذات دواع لربما لم تعد موجودة الآن . انه، في الحقيقة ، يرتبط بظروف ذاك الوقت التاريخية و الاجتماعية و حتى الجنسية كما يرتبط بأساطير تلك المرحلة و ربما خرافاتها و هذيانها ! و هكذا فانه مطلوب منا ان نتقدم الى الأمام بينما رؤوسنا مدارة إلى الخلف ! و ها أنا أتساءل ، مع ذلك ، لما للماضي هذه القوة الماسية المتوهجة !؟ ألانه سحيق بعيد لا ينفع معه النقد او الشك و البحث و ان ما مضى قد مضى ؟ لماذا لكلمات القدماء هذا الوقع الجليل في نفوسنا و لما كانت نصوصهم فوق النقاش و استثناءاتهم قواعد لأيامنا ؟ هل هي هالة الموت ! الغياب ! هل هو سحر القدم ! هل هو هذا الإشعاع المبارك الذي ظننا انه يلف كل رجل أطلق لحية في عصره او شاعر تطلع من مضاربه الى القمر فنحت كلمتين على بردية أو حجر ! لماذا يتحول الماضي إلى ( قَدر ) جاثم متراكم ككرة ثلج متدحرجة ، متضخمة ، مندفعة باتجاه ( الآن ) ، عابسة ، و مكفهرة ! ما الحل أمام مده و هيمنته ! ما الحل و نحن نقر ، بان لا وجود للثابت حتى في جوهر المادة ذاته بينما نتعامل مع الماضي و كأنه الثابت الاستثنائي . و الثابت، في إطار الثقافة العربية، كما يراه ادونيس ، هو الفكر الذي ينهض على النص ، و يتخذ من ثباته حجة لثباته هو ، فهما و تقويما ، و يفرض نفسه بوصفه المعنى الوحيد الصحيح لهذا النص ، و بوصفه ، استنادا إلى ذلك ، سلطة معرفية ! و الإشكال الذي وقعنا فيه كأمة ، هو إننا بدأنا نعمم الثابت في (النصي الديني ) على كل شيء الأدب و الفكر و الفن و ذلك لانه لم يكن للعرب تقريبا اية ثقافة خارج اطار السلطة و بالتالي هي ثقافة – سلطة ثابته بهذا المعنى . الحق ، لست اقلل من شان التراث الإنساني بالمطلق و خصوصا العربي ، فكياننا المعاصر هو نتيجة لما جمعناه عبر العصور ،لكن هذا الكيان بدأ يتساءل اليوم و يحاول ان يفهم و يبحث لكي يعرف إلى أي مدى يُسمح للماضي بالتدخل في عمق الحاضر . أو بكلمات اخرى ؛ إلى أي مدى يسمح للثابت الديني النصي ان يتطاول على الفكر و الادب و حركة المجتمع المدني ! و اين يجب ان يتوقف ( الِقدَم ) في زحفه باتجاه ( الآن ) !! و لماذا لا تكون كل ثقافة هي ثقافة (تساؤل ) من اجل التطوير بدلا من ان تكون ثقافة قبول و ائتلاف مع الماضي الثابت !!! و لما يجب ، بعد كل هذا ، ان نرى في الاختلاف بذور للمعارضة بدلا من مصدر للغنى و التنوع ! و اذا افترضنا ان في الاختلاف الخلاق المبتكر طريق باتجاه الحياة الجديدة و الولادة الثانية ، فهل بالضرورة نحن معارضين ( لما كان ) بالمعنى الاتفه للكلمة !!! يفهم العقل العربي الاختلاف و المعارضة كوجيهين لعمله واحدة . يفهمهما كنوع من التحدي أو التخطيء لما كان و لما اسلف ! و ذلك لانه عقل فطر على ( الابقاء ) على الاشياء و المفاهيم و اعتاد المرور إلى ( جوارها ) بدلا من اختراقها و مواجهتها ، كمغامر يريد ان يصل إلى ابعد نقطة من كينونته الإنسانية ! ان فكرة ( المنزل ) عرفت الانسان العربي ان هناك حدودا لا يجب الاقتراب منها مهما تبدل و تغير الزمن ! فحين نقول ان ( هذه كلمة الله ) فانه يسقط من يدنا في الحال . و حين نقول ان لا تغيير يجب ان يجري على مضمون فكرة عقائدية ما ، فاننا نفضل ، كعقل عربي ، ان نشيح بوجهنا صوب امور اخرى تماما أقل أهمية . و هكذا فاننا نمر ( بالقرب ) من عقائدنا بدلا من التوحد بها و جعلها خبرة حية حاضرة و جزء من ثقفتنا المعاصرة . لكن لا يجب ان يفهم من كلامي اننا يمكن ان ننطلق الى الامام و نحن لا نستند على شيء، فهذا غباء برأي اقرب الى التجديف ! كما لا افترض بالمطلق اننا كعرب قادرين على العولمة انطلاقا من إلغاء تراثنا بل العكس ! لكني أتسال لما يتمتع الماضي بهذا الجبروت المغناطيسي المنوم و لما تغدو نصوصه كلما مر عليها الزمن فوق النقاش ! و لما اعتبرنا ان كل شيء في هذا الماضي اثريا يجب حفظه محنطا مملحا مبخرا مصونا من الفساد ! الحق ، إن الملفت في تراثنا العربي أن البت في المعرفة ليس معطى للجميع . فهذه ميزة نخبوية بشكل كامل . و لقد أوضح الطبري في تفسيره للقرآن على عاتق من تقع مسالة المعرفة برمتها و لما اعتبر ت المعارضة الخلاقة بدعة و ( البدع مشتقة من الكفر ) كما يقول ابن تيمية . إن المعرفة ، بحسب الطبري ، هي بالنص و الخبر و ليست بالرأي .2و هكذا فان الجسد المعرفي الخلاق المؤسس على التساؤل و ابداء الراي هو امر ينطوي على الكثير من الابتعاد عن السراط المستقيم أو بالاحرى عن الثابت بحسب رايه . و لهذا فان إعادة التفسير أو التقليد أمر ينطوي على افساد للمعنى ، معنى النص و تخريب للمعيار الراسخ و القاطع الذي يعلنه لفظا و مضمونا . و بالتالي فان الحقيقة و المعرفة كلتاهما في النص و لا شيء خارجه . و هكذا ، يبدو الماضي بكل ما فيه كنوع من ( الأيدلوجية الفسيفسائية ) المغلقة على ذاتها كباحة من باحات الحرملك التركي . إن الماضي – التراث حرملك هائل الحجم ، متعدد الطبقات ، يتمتع بلغته و شيفرته الخاصة المحكمة . و تاريخنا التراثي لربما لا يمت كثيرا لتجاربنا المعاصرة بصلة مهمة . فلقد وصل الى أيدينا مغلفا بذاته . وصل بكراكيبه و مصطلحاته و اجتهاداته و غباره و ثرائه و قدمه المرصع . و تجاهه ، انقسمت مواقف المثقفين الى فئتين ؛ فئة مجارية له ، مؤتلفة معه ، موافقة على كينونته بكل ما فيها ، و أخرى مختلفة معه ، اختلافا خلاقا ، ثوريا ، مفككه بنيته من اجل إعادة صياغتها بلغة الحاضر المعاصر و وفق متطلبات صيرورة الزمن و حركة التاريخ . انه الاختلاف الفكري المعارض ليس بغرض سحل هذا الماضي و انما من اجل إحيائه بحلته الأكثر فائدة و استمرارية و الاستفادة من ( خلاصته ) ، و ربطها بتجربة المعاناة المعاصرة في هذه اللحظة القائمة المتغيرة من دون توقف ! و بما أن كل عصر يتميز ، بكليته ، بنسيج مختلف عن العصور التي سبقته ، و بما أن العلم قد برهن لنا أن لا وجود بالمطلق لمعنى ( الثابت ) في هذا الكون حتى على صعيد الجوهر ، فإن عامل الزمن ، لهذا ، يبقى أقوى العناصر على الإطلاق من حيث كونه فارضا ( إرادته ) على كل شيء ، مبتلعا ، من دون توقف ، ثوان الحاضر و محولا إياها الى ماض في سلسلة أبدية من الحركة المتقدمة . فكل لحظة ماضية كانت حاضرة و كل حاضرة هي ماضية في الوقت عينه و هكذا ضمن سلسلة متصلة تسمى الوقت أو الزمن . اذا ، لا يسمح الزمن لهذا الثابت في الوجود لا على صعيد المادة و لا على صعيد الفكر . لهذا يبدو حفظ الماضي بالملح و الائتلاف معه امر غير صحيح لا علميا و لا واقعيا و بالتالي غير مجد إطلاقا. بل ان تحويله الى صنم امر ينطوي ، في نفس الوقت على الغاء كامل له . بينما ، تقوم المعارضة الفكرية الخلاقة ، على عكس ذلك ، بربطه ( بالمتحولات ) الكونية و البشرية من اجل الإبقاء عليه كتراث ثري مفيد للوقت الراهن . انه ليس أيدلوجية ثابتة بعد ، محطنة كمومياء قديمة ، و ليس صنما تابويا لا يمكن المساس به و إنما شجرة متواصلة الإثمار بحاجة الى تشذيب لا يتوقف أيضا . لكن الماضي كان ( حاضرا ) فيما مضى ..و كانت المعارضة الخلاقة تتعامل مع ذاك الحاضر كماض أيضا . و كانت تقاوم فيه الأيدلوجية التي أريد لها أن تكون ثابتة بينما هي متحولة بشكل مستمر و متقدم . و لقد حمل لنا التراث العربي الشديد الغنى أسماء عرفت بمعارضتها الخلاقة الإبداعية ، لدرجة رميت بالهرطقة و الزندقة و رفعت على عواميد الصلب كأبي المغيث الحسين بن منصور المعروف بالحلاج و آخرون كثر غيره . هل لمحبة الله طريقة ثابتة ! الحق ، لقد راجعت الكثير من النصوص التي كتبت عن الحلاج بدقة ، كما قرأت النصوص و الأشعار التي كتبها بنفسه و قصصه و حكاياه و فندتها حتى آخر سطر خطته يده قبل ان يفتت بدنه على عامود الصلب ..! الملفت في حياة الحلاج انه رجل ولد لكي يقتل أو بالاحرى ولد ميتا . فليس المكان الذي وجد فيه على هذا القدر من الديمقراطية فيسمح له بتجاوز المألوف الديني . انها ديار العرب التي لا تحتمل انتهاكا لأيدلوجياتها الدينية ظنا منها انها تحميها . و بغداد التي تفتك بها اليوم الحرب الاهلية الصامتة – و المعلنة – بين السنة و الشيعة ، هي ذاتها بغداد في عصر الحلاج التي كانت مواكبة لحركة العبيد المستضعفين ( الزنج ) الثائرين على الظلم و الفساد ، و لحركة القرامطة التي كانت تهدد حكم بني العباس فيها و تدعو علنا دعوة آل البيت بقيادة الإمام الاسماعيلي . و كان الحلاج متعاطفا كبيرا ،بصوفيته ، مع حركتي الاصلاح الاجتماعي و السياسي هذه ، زد عليها ان العقيدة الفاطمية الاسماعيلية تأخذ بضرورة التأويل لاكتشاف المعنى البعيد و الباطني و عدم الأخذ بالمعنى الظاهر 3و هذا ما يتوافق مع نهج الحلاج في البحث . و لنعترف هنا ان قتل الحلاج بهذه الطريقة الدرامية و اتهامه بالخروج على السلطات الفقهية السائدة عمم الخوف من ( الاختلاف ) و المعارضة . فخفت لغة الشطح و الصوفية و غدت أكثر باطنية و ترميزا و تعقيدا . لقد قمع الحلاج بالجسد و الفكر قمعا لا حد له و انتهى تماما كرؤية جديدة ليتحول إلى سيرة بين ايدي الباحثين ليس إلا ..! اذا، ليس العربي معتادا على الاختلاف و خصوصا و تحديدا حينما يمس لب العقيدة . و كأن مقاربة الله لا تكون الا بطريقة و وجه واحد . و بالرغم من الحب الالهي الهائل الذي كشفت عنه سيرة الحلاج و كتاباته الا انه لم يجد مكانا له في باحة المتعارف عليه من الفقه و ذلك لانه قارب الله بطريقة مختلفة . و الطريف ان قمع هذه الميول الصوفية و عدم السماح لها بالإشهار عن نفسها علنا لا يلغي وجودها بالمطلق . فمقاربة الذات العليا لا تتم بطريقة واحدة أو تتبع معيار معين أو سلوك لا يقبل التخطيء ، فالله كائن في نسيج كل شيء في الوجود ، و لا يستطيع احد بالمطلق ان يجزم متى و كيف تكون مقاربته . ان الصوفية هي نوع من الثورة الفكرية – الروحية على السائد الديني الثابت . فهي ترى في العالم كلا متحدا في الانا ضمن علاقتها مع الهو أو الله . فالصوفي يعي ذاته بشكل كامل ، منفردا و متحدا بالذات العليا في آن . انه في الحقيقة يرى العالم من منظار الحب الخالص الممتلىء بالتجربة الشخصية . انه لا يعاين الله منقولا أو خارجا من أي نص و انما يعاينه انطلاقا من ذاته الداخلية . و بيت الحلاج من الطويل يشي بهذا النوع من المعاينة الداخلية الذاتيه لله و الامتلاء به :
و في بيت من الرمل يقول :
و الصوفية ، كمنهج لا تهتم بالمنقول في بحثها عن حقيقة الله . انها تراها في الاستشراق الروحي اللامتناه و لكن داخل الذات . انها ليست خارجه و كذلك المعرفة ليست خارج الذات . و هكذا فان الصوفي لا يكتفي بالوقوف عند حدود الظاهر ( الشريعة – الوحي ) و انما يبحث لكي يعرف باطن المعرفة ، باطن الحقيقة في قلب الذات الإنسانية المنفردة و لكن المتصلة بالله في آن . و لهذا فهو يعي مستويين للمعرفة و الحقيقة ( ظاهرها و باطنها ) و هذا الوعي يقع ضمن اطار الاختلاف المعارض للسائد الديني . و هكذا ، فقد اقتلعت الصوفية الله من الشريعة و ادخلته في عمق الذات الإنسانية التي جعلت الكل يتجلى فيها كما يرى ادونيس في بحثه الطويل عن الثابت و المتحول – الإبداع و الإتباع عن العرب . الحق ، قد لا يستطيع العامة ان يبلغوا مستوى الحلاج أو غيره من الاشراق الروحي ، و لا ان يقاربوا الذات العليا بهذه المقدرة النفسية الفذة . و قد لا يستطيع حاكم أو خليفة ان يكون بمستوى فردة حذاء فيلسوف أو مفكر أو عالم ، لكن هذا لا يجب ان يدفع العامة أو الحكام إلى صلب ( الاختلاف ) فقط لانه اختلاف ، و اعلانه كتجديف أو معارضة . و الشجاعة النادرة التي تحلى بها الحلاج ، ان كان على صعيد اماته الذات ، أو الذهاب إلى الهند و الصين لمتابعة تقدمه الروحي – و هذا يدل على جدية ميوله و حدتها - ، أو المجاهرة بمعارضته للرؤية الفقهية الاسلامية ، تعتبر مثال ذو وجهين : اولا ، مثال على المجتمع العربي الديني التقليدي الذي يحمي الخرق و العادات المقدسة و يريدها محفوظة في قمقم ذاتها كصنم معتقدا بذلك انه يحميها ، و ثانيا ، مثال على المعارض المثقف الذي يريد أن يطور من الرؤى القديمة و يبعث فيها روحا متجددة و مقاربات أكثر تنوعا . ليس الطريق إلى الله واحد ... فلقد علمنا التاريخ ان هناك بشر لم يتمكنوا من اللقاء به لو لم يمروا بنفق الخطأ و القذارة الروحية . فالمبتعد عن التجارب و الهارب من الخبرات التي تقدمها له الحياة من الصعب ان يكون لقاءه مع ربه بهذا الزخم الوجودي و هذه الاهمية . الحق ان الحلاج ، يعطي مثالا لا لبس فيها عن اهمية التفاعل الكامل مع الماضي أيضا و مع العقيدة و مع الله بالذات .. و هذا التفاعل لا يمكن ان تكون نتيجته الا هذا البوح باسرار النفس خلال اللقاء و انطباعاتها و تطلعاتها ، و مناجاة جمالية هذا اللقاء كما هو الحال في نصوصه و اشعاره . لا نستطيع ان نقتل رجلا لانه قال انا الحق . فلم يخلق الله طبيعة الانسان بكل ما فيها لياتي بعد ذلك و يخرسها . و لا نستطيع ان نحيي ايديولوجيتنا حينما نظن باننا نخرس ايديولوجيات الاخرين ، و كذلك لا يمكن لثقل الماضي ان يعبر الينا بسلام الا اذا كان جزء من معاناتنا وخبراتنا المعاصرة و الا فانه اذا لم يمت في الكتب فانه ميت في نفوسنا . ان سيرة الحلاج المتبقية ، الواصلة الينا كآثار المدن الجميلة التي خربها الزلزال ، هي سيرة معارض و وثيقة لكل مثقفي العروبة لكي يعلموا ثلاثة : 1- اننا كامة ، ليس لدينا ارث هام من الديمقراطية و قبول الاخر لكي نعول عليه و خصوصا عندما يمس الامر قدس الاقداس : عقيدتنا . ( لا يوجد لكلمة ديمقراطية مقابل في اللغة العربية اصلا وهي كلمة معربة عن اصلها اللاتيني ) . 2- ان المثقف الخلاق ، المعارض .. لا يهدم الماضي من اجل لذة الهدم و انما من اجل إحيائه في الحاضر بزخم اكبر و بفائدة اشمل . 3- ليس الماضي أيدلوجية ثابته بكل ما فيه من عقيدة و فلسفة و فكر و مدارس ادبية و فنية . انه روح متحركة متراكمة متجهة إلى الحاضر كل ثانية ، و باتجاهها نحو الحاضر تتبدل هيئتها و جوهرها بما يؤثر فيها ، خلال مسيرتها من عوامل و بما تؤثر به . و لهذا لا تنفع احكام الصلب و النفي و المطاردة في لوي رقبة هذه الحركة الخلاقة الضخمة المتقدمة بمثابرة باتجاه الحاضر،و لا ينفع حرق وثائق المعارضة في وأد الاختلاف المبدع ، و ذلك لانه سمة حيوية من سمات البقاء بالمطلق . أكبر غلطة ! منذ عامين التقيت مع الكاتب الإنكليزي ( توني واين ) في مدينة لوس انجليس الأمريكية . كان الرجل شديد الحساسية تجاه التاريخ و يعتبره قطعة اثرية نادرة و مصدر كبيرا للالهام خصوصا انه كاتب للرواية التاريخية بامتياز . و حين يبدأ الحديث عن الماضي و التراث لا بد ان ينتهي إلى العقيدة و ما لها و عليها . لقد تحدثنا عن اختلاف الثقافات باعتبارها معارضة، تلقائيا ، لما اتى قبلها كرد فعل طبيعي . و كان طبيعيا ان يسالني عن ثقافة المعارضة الخلاقة لدينا كحركة دائمة لا تكتفي بالسير إلى جانب التراث و الإتلاف معه و انما باختراقه . والحق ، لقد اربكني سؤاله و لم اعد اذكر تماما ما أجبته به و الأرجح انني لم اجب بالمطلق و اكتفيت بالابتسام . لكني خلال حديثنا سالته بهدوء مباغت و ذلك في لحظة مفصلية من حوارنا الطويل : برايك ، ما هي اكبر غلطة يمكن يرتكبها اله ! فرد من دون تلكؤ بعد ان التمعت عيناه بلمحة : ( أكبر غلطة هي ان لا يرد على صلاة !!! ) . و حين طلبت المزيد من الشرح قال : انه بذلك يعلن عن عدم حضوره، لكن الرد – برأيه - لا يكون بطرقه المباشرة العجائبية و انما بهذا التحول الذي يعاينه الفرد في نفسه فيتحول من أعمى غير مدرك لماهية رسالة الحياة اليه ، الى مبصر يرى اشارات الطريق امامه فيستدل من خلالها على ما هو الاصلح له و للاخرين . و بالمقابل يجب ان يٌسمح لحوار الانسان مع الاله ان يصل في صدقه الهادىء الى حده الاقصى فيدفع هذه القوى اللامرئية القائدة للاستجابه ( لنيته ). ترى ، ماذا فعل الحلاج غير هذا ليدق عنقه و تقطع اوصاله !!! لقد كانت صلاة الحلاج لله فعالة بحيث كان الرد حاسما و كاشفا لدرجة خلقت سوء فهم كبير لدى الاخرين الذي احتاروا كيف يفسرون هذه العلاقة المتماهية مع الله بينما هي حالة فريدة بذاتها معروفة لمن اراد اتحادا بالحب الإلهي . و هذا واضح في بيتين له من مخلع البسيط :
ان الحلاج كشخصية تعي ذاتها بانها ( منذورة للموت ) عاجلا ام آجلا ، تدرك ان الحياة خداعة و هي ليست سوى اضغاث احلام تفتك بالمرء فتوحي له بالحقيقة كمن يقبض على الريح . انه يعرف سفل الحقيقة من دون لف أو دوران ..و لقد ذهب في فهمه إلى اقصى حد يمكنه ان يصل اليه عربي مدجج بمحرمات و محللات عصره ، و بثقافة ( المرجعية ) الثابتة . بالتاكيد لم يرى الحلاج في ثقافتنا و تراثنا كلا صحيحا كاملا . لقد اراد ان ( يختبر ) بنفسه هذا التوحد بالذات الالهية بدلا من قبول فكرة الله كانفصال عن كل شيء . لقد اراد ان يرى في الله نوع من الاخترق لهذا العالم و اشياؤه . فلا يُرى الواقع ، بالنسبة له ، وفقا للنص دائما ،و ليس تغريه ثقافة اللاتساؤل التي اتت كجزء من قبول هذا الارث ، و لا يبدو انه يؤمن ان النهضة التي ينادون بها يجب ان تكون في العودة الاخيرة للنص – الأصل وللسلطة التي كانت دائما حارسة عليه ، أو حارسة للحقيقة الواحدة و معادية بالتالي للاختلاف و التعدد . الحق ، لم يستطع الحلاج ان يعاين ارثه الذي اتاه منقولا ، باعتباره ارثا كاملا ، في غياب أي اختبار شخصي لهذا الارث. و يبدو انه كان يؤمن ان الارث أو الثقافة اذا لم يكونا نتيجة لتفاعلنا الإنساني مع وسطنا و ثمرة لخبرات روحية اتت مع الوقت و تراكمت و فرضت بنيتها الخاصة ، فانها لا تعد ( ثقافة شعب ) أو ( ثقافة حضارة ) بالمعنى الحقيقي و الكامل للكلمة . هل ثقافتنا الإسلامية هي نتيجة لوعي طبقي معين في فترة نشوؤها ! هل وجدت وفقا لمتطلبات الواقع أو توالدت كحركة تفاعلية بين المنتج و وسائل الانتاح !!!! إذا كان الجواب لا ! فإذا هي ثقافة منقولة و ليست مكتسبة بهذا المعنى ! لقد عبر الحلاج عن ( هاجسه الإلهي ) من خلال شيفرة من المصطلحات الصوفية و هنا بالضبط مكمن سوء الفهم الكبير عبر التاريخ في تفسير توجهاته الروحية و نعته بالكفر و الزندقة ربما . الحق ، ان المألوف اللغوي السائد يرى وجوب التطابق بين الدال و المدلول بينما نجد أن الرموز و المجازات ذات الدلالات في اللغة الصوفية هي رموز و مجازات قابلة كثيرا للتأويل و هي تتميز بالتخيل والتمثيل والتشبيه، لهذا فهي عينة بلاغية شديدة الخصوبة و التنوع و التشظي في التأويل . و لا يمكننا فهم المفردة الصوفية ما لم نعرف و نفهم التجربة الصوفية الروحية التي هي في أساس هذه اللغة الخاصة . فالدال و المدلول لا يتماثلان و انما يستمدان معناهما من خلال التفاعل الثقافي الأكثر حيوية ، و هذا التفاعل هو الذي يطابق الدال والمدلول بالكلمة والجملة. 4 إن ردود الفعل الدينية قد ارتكزت كلها على هذا المحور بعينه من دون الدخول في التجربة الصوفية و فهم ابعادها و ربما كان هذاهو السبب في الابتعاد عنهم و اعتبار مفرداتهم شحطات هرطقية مشركة . اذن ، لاعيد مرة ثانية هنا ، ان كل رجوع الى تراثنا الماضي يجعلنا وجها لوجه امام الله و امام ما انزل كصحيح كامل . و لهذا ، فان هذا الإرث ليس نتيجة لحركة تفاعلية سببها الوعي الطبقي مثلا و لا حتى لهذا الصراع بين المنتج و وسائل الإنتاج . فاصول الثقافة أتت عن طريق الوحي و هي ليست مكتسبة بهذا المعنى . و عندما أراد الحلاج ان يربط هذا الإرث بنوع من الاختبار الذاتي و المعاناة اعتبر في الحال شاذا عن معيار الأصول الثقافية السائدة و كذلك شعره الذي بدا منفلتا من أي حاجز فكري أو روحي . و لكن !!! كيف يبرأ الشعر من مخاوفه تجعلنا التجربة الصوفية في مواجهة صريحة مع مسألة ( التعبير ) الشعري بالمعنى المطلق للكلمة ! انها في الحقيقة تجعلنا نفكر ، طالما انها معارضة خلاقة لما اتى قبلها ، انه اذا لم يبرأ المرء من مخاوفه فانه لا يمكن ان يساهم بشكل ( حقيقي ) و حيوي في ثقافة الحاضر و في كل ثقافة قادمة . و ربما كان النثر التاريخي لدى العرب هو النثر الاكثر صدقا من بين كل الاشكال الادبية الاخرى . فالنزعة لكتابة التاريخ عند العرب ظهرت في ظروف مشابهة لظهورها عند اليونان . فاليونان لم يهتموا بكتابة تاريخهم إلا بعد حروبهم مع الفرس و خروجهم الى العالم الخارجي ، و كذلك الأمر لدى العرب الذين لم يبدأوا بكتابة تاريخهم إلا بعد حروبهم مع الأمم الأجنبية و فتوحاتهم ، أي أن هذه الكتابة أتت نتيجة لتفاعل ثقافي . و هكذا ضج النثر العربي بسيرة الرسول و أحداث الإسلام و بأيام العرب في الجاهلية و أخبار قبائلهم و ملوكهم . 5 اما الرسائل السياسية فقد كانت شبيهة بالخطابة التي عاصرتها ، فقد راجت و اتسعت لدرجة كبيرة جدا ، فكما كان هناك خطباء رسميين ،كان هناك كتاب رسميين توظفهم الدولة للعناية بذلك .6 اما الكتابة الدينية فقد ازدهرت كثيرا في حدود ( الحقيقة ) التي يتيحها النص الموحى به . انها في عمقها كتابة وعظية بيانية مثل الخطابة التي هي فن (التعليم و التحريض ) من حيث انها تقوم اساسا على ( الاقناع و التأثير ) .7 و هكذا فان الكتابة الدينية مثلها مثل الخطابة تنطوي جوهريا على فكرة الدعوة الى العقيدة و ذلك في تناولها من جوانبها كلها . و هكذا ارتبطت الكتابة ارتباطا بنيويا بالدين و السياسة تماما . اما خطابة الامام علي فهي تعتبر استثناءا لبنية الخطابة العربية عامة و ذلك لانها كانت فنية أيضا و لانها تناولت قضايا تتعلق بالفكر و الروح و التامل العقلي . اما التعبير الشعري فهو حالة شديدة الخصوصية . انه يعنى ، أي الشعر ، بأمرين تجاوزهما ارثنا الثقافي الديني الذي هو ارثنا الادبي أيضا ، و لم يعطهما حقهما من الوجود ، و هما : الذات المفردة و الهوية ! 8 و الفرادية لكي تتحقق في الشعر يجب ان تكون خرقا حقيقيا لغويا و مضمونيا من اجل خلق الإنسان العربي و المسلم و بعثه بحلته الاكثر صدقا و الاقرب الى واقعه . و عليه فان الشعر ، مبدئيا لا يؤمن بالثابت أي المنقول، أي الواصل ، كصحيح و كامل ، و إنما يؤمن بان الروح يجب ان تتنفس بحرية ، مجددة ذاتها كل لحظة ، و دالفة الى المستقبل بوجودها المتجدد و ذلك حفاظا على بقاءها كبنية ابداعية . ماذا فعلت الشعرية الصوفية !! لقد عرفت ، في الواقع ، كيف تشفي الشعر من مخاوفه . لقد جعلت الله و كل شيىء في الذات الإنسانية و هكذا حولت هذه الذات الى منجم لا حدود له من التنوع و الفرادة في آن . بل انها صورت العا | ||||||||||||