![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
الحب:
الجهاد الأكبر
وحين
يكون ( الحب ) هو الكلمة المقصودة، فقطعا سيكون التفاوت حتميا . و أتجاوز
لأقول انه نادرا ما نتعثر بامرأة و رجل تطابق لديهما تعريف و مفهوم الحب . و
مع ذلك تراهما يجتمعان و يلتقيان و يرتبطان بالرغم من هذا الفارق في فهمهما
لموضوعه و اختلاف وجهتي نظرهما حوله و رؤيتهما له .
!
والحق
ليس التطابق ما نسعى إليه أو لأكن اكثر تحديدا و دقة فأقول أن التطابق أمر
غير وارد بسبب الاختلاف الطبيعي و الفيزيولوجي بين الاثنين .
إذا،
على ماذا يعولان لينطلقا معا، و كيف تكون الحالة التي تسمح لهما ( بالاتفاق )
و المضي في رحلة مشاعرهما المتشابهة و المختلفة في آن .
من
أولى الأشياء التي تهدد الأرضية التي يبني عليها الشريكان ( حبهما ) هو
اختلاف كل منهما في تعريفه
و اعتباره لعامل الزمن . و أنا لا
اعني هنا ( التوقيت ) أو ( الوقت ) و إنما أتجاوزه لما هو اعمق أي
إلى
( مفهوم الزمن ) .
فالرجل
يؤثث في اللحظة الحاضرة لما هو آت، بينما تؤثث المرأة للحظة الحاضرة بالذات
.
و قد تتطابق أهدافهما و لكن الاختلاف
ينبع تحديدا من التكتيك و الاستراتيجية العامة و ما عليهما القيام به . و هذا
التباين كفيل لان يهدد، إن لم يكونا واعيين جدا لذلك، حتى أعماق مشاعرهما و
الحب لديهما بطبيعته الأكثر رومانسية.
يغلفهما
الزمن بثوانيه، فحين تتطلع عينا الرجل إلى ما فوق الرؤوس باتجاه أفق الغد،
تتطلع عينا شريكته إليه و إلى تفاصيل علاقتهما الآنية و عن ردود أفعاله
تجاهها و تجاه الآخرين و تجاه حياتهما المشتركة . هي تعرف أن الحب يلقي عليه
مسؤولية المستقبل و انه لولا هذا الحب تجاهها لما وجد في نفسه التوق و الشغف
للتحرك و العمل و لكنها في الوقت نفسه تطلب منه خصوصية اللحظة الحاضرة
فتريدها معطرة و مغلفة بشرائط الساتان و مُقَدمة إليها كهدية أبدية في لحظة
الحاضر .
إذا،
تبحث المرأة عن الأبد في اللحظة الحاضرة بينما الأبد يعني البعيد، المستقبل،
أو الوقت الذي سيأتي بالنسبة للرجل .
و
الفرق بين إنسان يتطلع باتجاه الآن و آخر إلى البعيد، هو فرق اصلي و جذري و
شديد الخصوصية . و مع ذلك، نجد أن تفاصيل الحب و العلاقة الصغيرة قادرة على
إيصال المركب إلى الشط الأخير . و هناك، يتطلعان في عيون بعضهما البعض شبه
مبتسمين فلقد وقعا معا في الفخ، فخ الزمن فها هما يصلان معا في اللحظة نفسها
و كأن الفرق الكائن بين مفهومهما للزمن وهمي بل مجرد وجهة نظر
!
و
الزمن بالنسبة للمرأة و الرجل العربيين يأخذ أبعاده الأكثر استبدادية و قمعا
. انه عدوها بينما هو حليف له متى استطاع أن يضبطه و يسيطر عليه . الزمن أداة
اختلافهما كما انه بشكل ما، أيضا، أداة لوحدتهما
و
وقوفهما في الخندق نفسه . فهما يحاربانه على جبهة واحدة كل على هواه
.
و الزمن في المفهوم الوجداني الأنثوي
و الذكوري العربي يعني باختصار الاقتصاد ؛ هذه الكلمة التي شوهت الإحساس
الطبيعي بالذكورة و الأنوثة الوجدانية بحيث جعلتا الاثنين معا يبحثان إما عن
لقمة العيش كل يوم بيومه، أو التفكير المفرط في المستقبل البعيد ! و للدقة
أقول أن هذا الأمر ينسحب على شريحة الطبقات الفقيرة و المتوسطة في المجتمع اكثر حيث من الصعوبة بمكان أن يترك المرء، أكان رجل أم امرأة، نفسه على هواها
و أن يعيش أحلامه و هواجسه و تخيلاته الشخصية الخاصة الكامنة و السرية و التي
يبحث للتعبير عنها في لحظاته الحميمة و ربما المعلنة .
الاقتصاد
يصيغ قوانين الحب بتؤدة في زماننا الحاضر. بل انه يلعب بعلم تشريحه بالذات
فما كان مقبولا في الماضي يصبح منبوذا و مضحكا الآن و ما كان متعارفا عليه
كقانون اصبح مدعاة للسخرية . و شيئا فشيئا تتضح معالم الفخ الممتد عبر الزمن
و فيه بمباركة الاقتصاد و الأفكار الجديدة الطارئة التي تأتي على هيئة ( تحسين و تقدم، و تحضر . الخ )
كالرمال المتحركة التي تفرش
عباءتها فوق الجميع و تتحول مع الوقت إلى مسامير قاسية مزروعة في عمق جسد و
وجدان المجتمع .
يرعى
الحب إذا في براري الاقتصاد و قوانينه، محاطا بأسلاك الزمن الشائكة عامدا
بتؤدة إلى تشويه الأنوثة و الذكورة الوجدانية الطبيعية .
لا
يلعب الزمن العربي فقط على الوتر الذي أسلفته سابقا و إنما يتدخل أيضا في
بنيوية الحب ذاته . فالمرأة العربية تقاتله بسرية و تصارع فيه الشيخوخة
القادمة و قوانين الزواج الضمنية المهددة بعامل التعفن و مرور الوقت .
فالجمال و مظاهر الأنوثة الخارجية تكره الزمن، و المرأة العربية التي تقف
حياتها بأكملها على حافة هاوية كلمة ( طالق ) ، يمكن أن تُطَلق في ( ساعة ) من
ساعات ( الزمن ) الغاضب . و لهذا فان علاقتها كانسان بالزمن هي علاقة مشوهة
بل متطرفة و حتى قمعية .
إذا،
قد لا تدرك المرأة بسبب هذا الظاهر القمعي للزمن، ماهيته الإبداعية و
الوجودية و تعمل على
تفعيلها . و لهذا فهو لا يتبدى لها
إلا كعدو بدرجة امتياز و كل قدرة على رؤيته بطاقته الموضوعية هي قدرة عبثية
غير موجودة في عالمها تقريبا .
و
حين تكون المرأة على قدر قليل من الثقافة و الوعي و قلة الخبرة و النضج فان
الأمر يتحول إلى حالة عراك صامت بينها و بين الزمن إذ لا يمكن أن يمر بخاطرها
أن تتناوله باعتباره في عمق نسيج صيرورة التاريخ، و انه ( خارج الزمن ) لا
يمكن للحب ذاته أن يكون، بل حتى أن الأمور لا يمكن أن
تستوي
و تتحول و تنضج و تختمر من دونه .
و
المفارقة الطبيعية الإلهية تكمن في تفتح مشاعر الحب لدى الإنسان في اكثر
السنوات سوء فهم له أي سنوات الشباب . أما حين يأتي الوقت ليعيش هذه المشاعر
بنضجها و جمالها و معناها الحقيقي يكون هو في خريف حياته . و الأمر ذو دلالة
كبيرة مع ذلك، فلولا الزمن لما نضج الحب لديه و يبدو أن للأمر قراءة أخرى أو
رسالة أخرى على عكس ما هو ظاهر : ليس الحب بحد ذاته كعاطفة كاملة ناضجة بكل
تضاعيفها من شان الشباب و إنما هي لسنوات عمريه اكبر حين يكون المرء قادرا
على إعطائه حقه و اكتشاف ميزة الزمن فيه و ليس العكس . و هذا أمر بعيد جدا عن
الذهنية العربية التي لا تعرف كيف تستغل عامل الزمن أو تستمتع فيه أو تفهمه
كحليف و ليس كعدو . فالزواج السريع المبكر و تجنب الخوض في أمور الحب و ما
إليها سمة من سمات المجتمع العربي الذي اعتاد على التستر و التسرع في تناول
الحلول .
أما الرجل العربي فيرى في الزمن أمرا
آخر . انه مكمل لرجولته و مكرس
لها . الزمن يزيده ألقاً و يجعل كلمته اكثر رصانة و ثقلا . الزمن يجعله اكثر
هيبة و وقارا و يعطي لقراراته صفة الديمومة و لوجهة نظره سمة القانون ..
الزمن هو الذي يدفع حبيبة الأمس المدللة إلى أن تجلب له، بعد فترة طويلة على
المعاشرة، منامته و حتى( شبشب الحمام )، الزمن هو الذي يجعل صوته اكثر حدة و
وقعا .. الحب يتكور، ينطوي على ذاته، يلتف حول ذيله، يتلاشى في أفق آخر،
يتحول، يأخذ شكله النهائي الصلب و يصبح باقيا على قيد الحياة بفضل أشياء أخرى
لم تكن في الحسبان في بداية العلاقة .
لكن
هذا ليس قانونا و لا ينطبق على كل العلاقات و لا يعنون كل علاقة بين امرأة و
رجل عربيين و إن كان يختصر بشكل أو آخر المشهد العاطفي العربي .
لا
يتشوه الزمن في علاقته مع العربي فيما يخص الحب أو العاطفة فقط و إنما يتشوه
بمعناه العام أيضا .
انه، باختصار، ليس حليف البتة إلا
إذا كان جزءا من تكتيك أو استراتيجية ما و ما عدا ذلك فانه يلعب على طول الخط
كعامل قمعي و كعدو . انه الطرف الأقوى في لعبة الحياة، الطرف الذي لا يمكن أن
يُقاوم إلا بالحيلة و الدهاء تماما كما تفعل المرأة العربية أحيانا لتحتفظ
بعلاقتها بشريكها . الرجل و الزمن تجمعها سمات مشتركة بالنسبة للمرأة . هي لا
تعرف أيا منهما يعمل لصالحها و أيا منهما عونا لها . إنها حذرة من الاثنين مع
معرفتها اليقينية أنها لا شيء من دون الاثنين . انهما متطابقان تقريبا
بالنسبة لها، ينتميان إلى المصدر التهديدي نفسه كما أن خلودها يأتي منهما معا
!
أما
الرجل فاعتقد أن المرأة تتطابق في خلفيته مع عامل الزمن، فهما مسخران لصالحه
بشكل أو بآخر . ففي الزمن خلوده و في المرأة ذكورته و هما حليفان إلا إذا
غدرا على حين غرة به و هربا من مخططاته
و اصبحا عاملين هوائيين لا يمكن
ضبطهما أو السيطرة عليهما و هذا هو الأمر الوحيد ربما الذي يقض مضجعه .
أما
العامل الثاني البارز في اختلاف وجهة النظر إلى الحب بين الاثنين فهو اتساع
حياة المرأة الداخلية و
غوصها في مصطلحات و تداعيات و متطلبات هذه الحياة التي تتكور فيها كجنين،
بينما يتطلع الرجل كجزء من بنيويته الذكورية إلى الحياة الخارجية باعتبارها
موقعا يجب الحصول عليه . إن هذا الاختلاف يفرش هو الآخر عباءته على قدرات
التعبير عن الحب لديهما معا . إن المرأة جنين ذاتها . و الرجل هو الآخر
جنينها الذي تحتفظ به، ككل شيء في عالمها الداخلي و ذلك على عكس عالمه هو
الخارجي
إذا
في الحب، يسعى الرجل مجازا و عمليا للدخول في عالم المرأة الداخلي، إذ لا
مكان آخر للوصول
إذا
كل شيء على صورتهما و مثالهما و خصوصا الحب . و لهذا فان أي فهم لهذه العاطفة
خارج إطار بنيويتهما الفيزيولوجية و النفسية يعتبر أمرا من دون طائل .
أما
المرأة العربية، المعروفة بحياتها الداخلية الخصبة و الشديدة الخصوصية فإنها
تعاني من تشوهات واضحة في التعبير عنها بسبب الاعتبارات الكثيرة الاجتماعية و
الدينية التي لعبت في مناخ هذه الحياة . فانتظار ( حضوره ) فيها ليس انتظارا
مسترخيا يحمل ميزات الانتظار و إبداعه و جماله. انه انتظار قهري مشوب بالشك و
الحذر . كما انه انتظار مقموع لا يعرف كيف يعبر عن فرحة اللقاء . انه انتظار
متشنج و في اغلب الأحيان يولد ميتا .
اليوم، يلعب العامل الثقافي و مستوى وعي و تعلم المرأة في مناخ هذا الانتظار و في شكل اللقاء و التعبير عنه و لكنه، مع ذلك، لم يصبح نظيفا من كل شائبة و لا زالت الاعتبارات التي أسلفت ذكرها ترعى فيه و تعيش فسادا .
إذا،
ليس الخطأ أن تستقبل المرأة الرجل في عالمها الداخلي، أو أن يكون هو ذو عالم
خارجي وجداني مختلف، إنما الخطأ أن يتم اللقاء بشكل خاطئ و أن يُظن أن هذا
الاختلاف هو اختلاف معيب بينما في واقع الأمر هو اختلاف طبيعي غرضه إغناء
اللقاء و ليس العكس .
و لهذا فان عامل الزمن
مختلف لدى الاثنين، فبينما الزمن الداخلي للمرأة لا يتبع أي ساعة يد أو
حائط بينما زمن الرجل يتحرك فوق ميناء الدقائق و الساعات و يرسم له موقعه
الذي يريده راسخا و حقيقيا و ملموسا .
و
بينما يشاع أن المرأة تملأ الفراغ حولها و داخلها بالثرثرة الشخصية فان
الواقع يشي بعكس ذلك . فلا تمنع الثرثرة قدرتها المهولة على الإصغاء. فعالمها
الداخلي الكثيف الذي يتصف بزمنه الخاص هو عالم تأملي بشكل كبير، رحب، فضائي،
و الصدى فيه له وقع و فيه يجري كل شيء بينما عينا المرأة الداخليتان تتلصصان
على كل شيء . و الثرثرة هي انعكاس للصخب الداخلي الذي أشبعته المرأة مراقبه و
تأملا . إنها تكب ما في ( داخلها ) إلى الخارج كما تفعل دائما في كل شيء .
إنها طريق متجهة دائما من الداخل إلى الخارج حتى في الحب بينما يتقدم الرجل و
يدخل عالمها من الخارج إلى الداخل .
و
الإصغاء هنا أخو الانتظار . فهي في انتظارها له تصغي أيضا بينما الزمن هو
نتيجة الاثنين معا الإصغاء و
الانتظار. و لهذا فان المرأة تصنع الزمن بالانتظار و الإصغاء بينما يصنعه
الرجل بالحركة . هي تصنعه، أي الزمن، على طريقتها بإصغائها لعالمها الداخلي و
انتظارها للرجل و هو يتلقاه جاهزا بينما يحاول تطويعه و
السيطرة عليه و ملأه بالشاخصات و كأنه مسطرة مرقمة عليه المرور عليها لبلوغ
هدفه .
لا
يحيا الحب من دون عامل الزمن و فهم هذا العامل و اعتباره حليفا لا عدوا .
الحب بأعمق تعاريفه هو وقت أي (زمن يمر)، هو اختمار للمشاعر ( مع الوقت )، هو
طهي لها، هو استيعابها، تفهمها، هو تحملها إذا ما أردنا فهما و استمتاعا
عميقا به . و المرأة و الرجل المكتملان وجدانيا و المتحققا الأنوثة و الرجولة
يستطيعان بسهولة كبيرة و تلقائيا أن يريا في الزمن حليفا كبيرا و مساعدا أول
.
في
النهاية، بنيت الخليقة كلها على عامل الجذب بين قطبين متضاربين، بنيت على حس
الحب و الانجذاب و الألفة بينهما و هذا هو الجهاد الأكبر : الحب ! |
|||
|
|
|||
جميع الحقوق محفوظة ©2006 للكاتبة كلاديس مطر