الحب: الجهاد الأكبر

  غالبا لا يقصد اثنان المعنى ذاته حتى لو استخدما نفس الكلمة !

وحين يكون ( الحب ) هو الكلمة المقصودة، فقطعا سيكون التفاوت حتميا . و أتجاوز لأقول انه نادرا ما نتعثر بامرأة و رجل تطابق لديهما تعريف و مفهوم الحب . و مع ذلك تراهما يجتمعان و يلتقيان و يرتبطان بالرغم من هذا الفارق في فهمهما لموضوعه و اختلاف وجهتي نظرهما حوله و رؤيتهما له . !

والحق ليس التطابق ما نسعى إليه أو لأكن اكثر تحديدا و دقة فأقول أن التطابق أمر غير وارد بسبب الاختلاف الطبيعي و الفيزيولوجي بين الاثنين .

إذا، على ماذا يعولان لينطلقا معا، و كيف تكون الحالة التي تسمح لهما ( بالاتفاق ) و المضي في رحلة مشاعرهما المتشابهة و المختلفة في آن .

من أولى الأشياء التي تهدد الأرضية التي يبني عليها الشريكان ( حبهما ) هو اختلاف كل منهما في تعريفه

 و اعتباره لعامل الزمن . و أنا لا اعني هنا ( التوقيت ) أو ( الوقت ) و إنما أتجاوزه لما هو اعمق أي إلى

 ( مفهوم الزمن ) .

فالرجل يؤثث في اللحظة الحاضرة لما هو آت، بينما تؤثث المرأة للحظة الحاضرة بالذات .

 و قد تتطابق أهدافهما و لكن الاختلاف ينبع تحديدا من التكتيك و الاستراتيجية العامة و ما عليهما القيام به .      و هذا التباين كفيل لان يهدد، إن لم يكونا واعيين جدا لذلك، حتى أعماق مشاعرهما و الحب لديهما بطبيعته الأكثر رومانسية.

 يغلفهما الزمن بثوانيه، فحين تتطلع عينا الرجل إلى ما فوق الرؤوس باتجاه أفق الغد، تتطلع عينا شريكته إليه و إلى تفاصيل علاقتهما الآنية و عن ردود أفعاله تجاهها و تجاه الآخرين و تجاه حياتهما المشتركة . هي تعرف أن الحب يلقي عليه مسؤولية المستقبل و انه لولا هذا الحب تجاهها لما وجد في نفسه التوق و الشغف للتحرك و العمل و لكنها في الوقت نفسه تطلب منه خصوصية اللحظة الحاضرة فتريدها معطرة و مغلفة بشرائط الساتان و مُقَدمة إليها كهدية أبدية في لحظة الحاضر .

 إذا، تبحث المرأة عن الأبد في اللحظة الحاضرة بينما الأبد يعني البعيد، المستقبل، أو الوقت الذي سيأتي بالنسبة للرجل .

و الفرق بين إنسان يتطلع باتجاه الآن و آخر إلى البعيد، هو فرق اصلي و جذري و شديد الخصوصية . و مع ذلك، نجد أن تفاصيل الحب و العلاقة الصغيرة قادرة على إيصال المركب إلى الشط الأخير . و هناك، يتطلعان في عيون بعضهما البعض شبه مبتسمين فلقد وقعا معا في الفخ، فخ الزمن فها هما يصلان معا في اللحظة نفسها و كأن الفرق الكائن بين مفهومهما للزمن وهمي بل مجرد وجهة نظر !

و الزمن بالنسبة للمرأة و الرجل العربيين يأخذ أبعاده الأكثر استبدادية و قمعا . انه عدوها بينما هو حليف له متى استطاع أن يضبطه و يسيطر عليه . الزمن أداة اختلافهما كما انه بشكل ما، أيضا، أداة لوحدتهما

و وقوفهما في الخندق نفسه . فهما يحاربانه على جبهة واحدة كل على هواه .

 و الزمن في المفهوم الوجداني الأنثوي و الذكوري العربي يعني باختصار الاقتصاد ؛ هذه الكلمة التي شوهت الإحساس الطبيعي بالذكورة و الأنوثة الوجدانية بحيث جعلتا الاثنين معا يبحثان إما عن لقمة العيش كل يوم بيومه، أو التفكير المفرط في المستقبل البعيد ! و للدقة أقول أن هذا الأمر ينسحب على شريحة الطبقات الفقيرة و المتوسطة في المجتمع اكثر حيث من الصعوبة بمكان أن يترك المرء، أكان رجل أم امرأة، نفسه على هواها و أن يعيش أحلامه و هواجسه و تخيلاته الشخصية الخاصة الكامنة و السرية و التي يبحث للتعبير عنها في لحظاته الحميمة و ربما المعلنة .

الاقتصاد يصيغ قوانين الحب بتؤدة في زماننا الحاضر. بل انه يلعب بعلم تشريحه بالذات فما كان مقبولا في الماضي يصبح منبوذا و مضحكا الآن و ما كان متعارفا عليه كقانون اصبح مدعاة للسخرية . و شيئا فشيئا تتضح معالم الفخ الممتد عبر الزمن و فيه بمباركة الاقتصاد و الأفكار الجديدة الطارئة التي تأتي على هيئة ( تحسين و تقدم، و تحضر . الخ ) كالرمال المتحركة  التي تفرش عباءتها فوق الجميع و تتحول مع الوقت إلى مسامير قاسية مزروعة في عمق جسد و وجدان المجتمع .

يرعى الحب إذا في براري الاقتصاد و قوانينه، محاطا بأسلاك الزمن الشائكة عامدا بتؤدة إلى تشويه الأنوثة و الذكورة الوجدانية الطبيعية .

لا يلعب الزمن العربي فقط على الوتر الذي أسلفته سابقا و إنما يتدخل أيضا في بنيوية الحب ذاته . فالمرأة العربية تقاتله بسرية و تصارع فيه الشيخوخة القادمة و قوانين الزواج الضمنية المهددة بعامل التعفن و مرور الوقت . فالجمال و مظاهر الأنوثة الخارجية تكره الزمن، و المرأة العربية التي تقف حياتها بأكملها على حافة هاوية كلمة  ( طالق ) ، يمكن أن تُطَلق في ( ساعة ) من ساعات ( الزمن ) الغاضب . و لهذا فان علاقتها كانسان بالزمن هي علاقة مشوهة بل متطرفة و حتى قمعية .

إذا، قد لا تدرك المرأة بسبب هذا الظاهر القمعي للزمن، ماهيته الإبداعية و الوجودية و تعمل على

 تفعيلها . و لهذا فهو لا يتبدى لها إلا كعدو بدرجة امتياز و كل قدرة على رؤيته بطاقته الموضوعية هي قدرة عبثية غير موجودة في عالمها تقريبا .

و حين تكون المرأة على قدر قليل من الثقافة و الوعي و قلة الخبرة و النضج فان الأمر يتحول إلى حالة عراك صامت بينها و بين الزمن إذ لا يمكن أن يمر بخاطرها أن تتناوله باعتباره في عمق نسيج صيرورة التاريخ، و انه ( خارج الزمن ) لا يمكن للحب ذاته أن يكون، بل حتى أن الأمور لا يمكن أن تستوي

 و تتحول و تنضج و تختمر من دونه .

و المفارقة الطبيعية الإلهية تكمن في تفتح مشاعر الحب لدى الإنسان في اكثر السنوات سوء فهم له أي سنوات الشباب . أما حين يأتي الوقت ليعيش هذه المشاعر بنضجها و جمالها و معناها الحقيقي يكون هو في خريف حياته . و الأمر ذو دلالة كبيرة مع ذلك، فلولا الزمن لما نضج الحب لديه و يبدو أن للأمر قراءة أخرى أو رسالة أخرى على عكس ما هو ظاهر : ليس الحب بحد ذاته كعاطفة كاملة ناضجة بكل تضاعيفها من شان الشباب و إنما هي لسنوات عمريه اكبر حين يكون المرء قادرا على إعطائه حقه و اكتشاف ميزة الزمن فيه و ليس العكس . و هذا أمر بعيد جدا عن الذهنية العربية التي لا تعرف كيف تستغل عامل الزمن أو تستمتع فيه أو تفهمه كحليف و ليس كعدو . فالزواج السريع المبكر و تجنب الخوض في أمور الحب و ما إليها سمة من سمات المجتمع العربي الذي اعتاد على التستر و التسرع في تناول الحلول .

  أما الرجل العربي فيرى في الزمن أمرا آخر . انه  مكمل لرجولته و مكرس لها . الزمن يزيده ألقاً و يجعل كلمته اكثر رصانة و ثقلا . الزمن يجعله اكثر هيبة و وقارا و يعطي لقراراته صفة الديمومة و لوجهة نظره سمة القانون .. الزمن هو الذي يدفع حبيبة الأمس المدللة إلى أن تجلب له، بعد فترة طويلة على المعاشرة، منامته و حتى( شبشب الحمام )، الزمن هو الذي يجعل صوته اكثر حدة و وقعا .. الحب يتكور، ينطوي على ذاته، يلتف حول ذيله، يتلاشى في أفق آخر، يتحول، يأخذ شكله النهائي الصلب و يصبح باقيا على قيد الحياة بفضل أشياء أخرى لم تكن في الحسبان في بداية العلاقة .

لكن هذا ليس قانونا و لا ينطبق على كل العلاقات و لا يعنون كل علاقة بين امرأة و رجل عربيين و إن كان يختصر بشكل أو آخر المشهد العاطفي العربي .

لا يتشوه الزمن في علاقته مع العربي فيما يخص الحب أو العاطفة فقط و إنما يتشوه بمعناه العام أيضا .

 انه، باختصار، ليس حليف البتة إلا إذا كان جزءا من تكتيك أو استراتيجية ما و ما عدا ذلك فانه يلعب على طول الخط كعامل قمعي و كعدو . انه الطرف الأقوى في لعبة الحياة، الطرف الذي لا يمكن أن يُقاوم إلا بالحيلة و الدهاء تماما كما تفعل المرأة العربية أحيانا لتحتفظ بعلاقتها بشريكها . الرجل و الزمن تجمعها سمات مشتركة بالنسبة للمرأة . هي لا تعرف أيا منهما يعمل لصالحها و أيا منهما عونا لها . إنها حذرة من الاثنين مع معرفتها اليقينية أنها لا شيء من دون الاثنين . انهما متطابقان تقريبا بالنسبة لها، ينتميان إلى المصدر التهديدي نفسه كما أن خلودها يأتي منهما معا !

أما الرجل فاعتقد أن المرأة تتطابق في خلفيته مع عامل الزمن، فهما مسخران لصالحه بشكل أو بآخر . ففي الزمن خلوده و في المرأة ذكورته و هما حليفان إلا إذا غدرا على حين غرة به و هربا من مخططاته

 و اصبحا عاملين هوائيين لا يمكن ضبطهما أو السيطرة عليهما و هذا هو الأمر الوحيد ربما الذي يقض مضجعه .

أما العامل الثاني البارز في اختلاف وجهة النظر إلى الحب بين الاثنين فهو اتساع حياة المرأة الداخلية و غوصها في مصطلحات و تداعيات و متطلبات هذه الحياة التي تتكور فيها كجنين، بينما يتطلع الرجل كجزء من بنيويته الذكورية إلى الحياة الخارجية باعتبارها موقعا يجب الحصول عليه . إن هذا الاختلاف يفرش هو الآخر عباءته على قدرات التعبير عن الحب لديهما معا . إن المرأة جنين ذاتها . و الرجل هو الآخر جنينها الذي تحتفظ به، ككل شيء في عالمها الداخلي و ذلك على عكس عالمه هو الخارجي  و المنفصل عنه .

إذا في الحب، يسعى الرجل مجازا و عمليا للدخول في عالم المرأة الداخلي، إذ لا مكان آخر للوصول  ( إليها ) إلا عبر هذا المنفذ، بينما تنتظر هي ( قدومه ) من الخارج إذ لا طريقة أخرى بالنسبة إليها سوى انتظار  ( حضوره ) فيها . و عندما ( يحضر ) فيها عندها فقط يمكن للعَالَمين أن يتحدا و في خصوصية اللقاء هذا يكمن البقاء على قيد الحياة .

إذا كل شيء على صورتهما و مثالهما و خصوصا الحب . و لهذا فان أي فهم لهذه العاطفة خارج إطار بنيويتهما الفيزيولوجية و النفسية يعتبر أمرا من دون طائل .

أما المرأة العربية، المعروفة بحياتها الداخلية الخصبة و الشديدة الخصوصية فإنها تعاني من تشوهات واضحة في التعبير عنها بسبب الاعتبارات الكثيرة الاجتماعية و الدينية التي لعبت في مناخ هذه الحياة . فانتظار ( حضوره ) فيها ليس انتظارا مسترخيا يحمل ميزات الانتظار و إبداعه و جماله. انه انتظار قهري مشوب بالشك و الحذر . كما انه انتظار مقموع لا يعرف كيف يعبر عن فرحة اللقاء . انه انتظار متشنج و في اغلب الأحيان يولد ميتا .

اليوم، يلعب العامل الثقافي و مستوى وعي و تعلم المرأة في مناخ هذا الانتظار و في شكل اللقاء و التعبير عنه و لكنه، مع ذلك، لم يصبح نظيفا من كل شائبة و لا زالت الاعتبارات التي أسلفت ذكرها ترعى فيه و تعيش فسادا .

إذا، ليس الخطأ أن تستقبل المرأة الرجل في عالمها الداخلي، أو أن يكون هو ذو عالم خارجي وجداني مختلف، إنما الخطأ أن يتم اللقاء بشكل خاطئ و أن يُظن أن هذا الاختلاف هو اختلاف معيب بينما في واقع الأمر هو اختلاف طبيعي غرضه إغناء اللقاء و ليس العكس .

و لهذا فان عامل الزمن مختلف لدى الاثنين، فبينما الزمن الداخلي للمرأة لا يتبع أي ساعة يد أو حائط بينما زمن الرجل يتحرك فوق ميناء الدقائق و الساعات و يرسم له موقعه الذي يريده راسخا و حقيقيا و ملموسا .

و بينما يشاع أن المرأة تملأ الفراغ حولها و داخلها بالثرثرة الشخصية فان الواقع يشي بعكس ذلك . فلا تمنع الثرثرة قدرتها المهولة على الإصغاء. فعالمها الداخلي الكثيف الذي يتصف بزمنه الخاص هو عالم تأملي بشكل كبير، رحب، فضائي، و الصدى فيه له وقع و فيه يجري كل شيء بينما عينا المرأة الداخليتان تتلصصان على كل شيء . و الثرثرة هي انعكاس للصخب الداخلي الذي أشبعته المرأة مراقبه و تأملا . إنها تكب ما في ( داخلها ) إلى الخارج كما تفعل دائما في كل شيء . إنها طريق متجهة دائما من الداخل إلى الخارج حتى في الحب بينما يتقدم الرجل و يدخل عالمها من الخارج إلى الداخل .

 و الإصغاء هنا أخو الانتظار . فهي في انتظارها له تصغي أيضا بينما الزمن هو نتيجة الاثنين معا الإصغاء و الانتظار. و لهذا فان المرأة تصنع الزمن بالانتظار و الإصغاء بينما يصنعه الرجل بالحركة . هي تصنعه، أي الزمن، على طريقتها بإصغائها لعالمها الداخلي و انتظارها للرجل و هو يتلقاه جاهزا بينما يحاول تطويعه و السيطرة عليه و ملأه بالشاخصات و كأنه مسطرة مرقمة عليه المرور عليها لبلوغ هدفه .

 لا يحيا الحب من دون عامل الزمن و فهم هذا العامل و اعتباره حليفا لا عدوا . الحب بأعمق تعاريفه هو وقت أي (زمن يمر)، هو اختمار للمشاعر ( مع الوقت )، هو طهي لها، هو استيعابها، تفهمها، هو تحملها إذا ما أردنا فهما و استمتاعا عميقا به . و المرأة و الرجل المكتملان وجدانيا و المتحققا الأنوثة و الرجولة يستطيعان بسهولة كبيرة و تلقائيا أن يريا في الزمن حليفا كبيرا و مساعدا أول .

في النهاية، بنيت الخليقة كلها على عامل الجذب بين قطبين متضاربين، بنيت على حس الحب

 و الانجذاب و الألفة بينهما و هذا هو الجهاد الأكبر : الحب !

 

 

جميع الحقوق محفوظة ©2006 للكاتبة كلاديس مطر