|
مثقفو
الدول النامية و الرقص على الحبال
يريد المثقف ان
يكون لوطنه القدرة على تقرير مصيره بنفسه خصوصا اذا ما
ادرك القيمة الحضارية والوجودية لهذا الوطن وربما من دن ان
يدركها أحيانا. و لان الأوطان تمر في مراحل استعمار وغبن،
بالف شكل و شكل، خلال فترات تطورها فالموقف الطبيعي ان
ينبري هذا المثقف مدافعا عنها. لكن الثورات المصيرية التي
أعادت لهذا الوطن لاحقا قدرته على تقرير مصيره وجعلت دفة
إدارته في يد أبنائه يتحكمون بها ويصيفون نسيج وجوده..
أقول ان هذه الثورات، كما أرى الآن، لم تف بالغرض النهائي
الذي أتت من اجله : الحرية ( و هي شعار فضفاض، هيولي،لا
يعلم إلا لله وحده ماله و ما عليه ). اإن الحرية التي
يتطلع إليها المثقفون بكل انتماءاتهم بدت هي الأخرى منوطة
بمبادىء هذه الثورات وبالطريقة التي تريد أن تدير من
خلالها البلد موضوع الثورة. لقد كاد نجيب محفوظ ان يكف
عن الكتابة بعد ثورة يوليو و اعلن ان هذه الثورة قد حققت
كل ما يطمح إليه!!
و صمت محفوظ، صمت أكثر من سبع
سنوات أي منذ عام 1952 و حتى 1959. ففي عام الثورة كان قد
أنهى ثلاثيته. و الحق ان الأحداث المتلاحقة و الرؤية
الضبابية لما سوف ياتي لاحقا بدت جلية في ثلاثيته (فانتهت
الرواية وكل من اليمين واليسار والشعب في السجن ) كما يقول
الدكتور غالي شكري في دراسته الهامة (الجزء الأول – دار
الآفاق ) عن معنى المأساة في الرواية العربية. ثم يكمل
شكري فيقول : ( لقد أصبح محفوظ رائدا لطابور الصمت خاصة
وان ظروفا شاذة رافقت سنوات الثورة جعلت من
الديمقراطية مسالة خطيرة الأهمية بحيث ان الصمت لم يعد لان
الأديب أو المثقف لا يجد ما يقوله، بل لانه لا يستطيع –
ايضا ان يكيف ما يريد ان يقوله وفق الخطوات اليومية للثورة
( وهي خطوات تحتمل الصواب و الخطأ ) وهذا ما حدث مع( أولاد
حارتنا ) التي يريد اليوم كاتبنا الكبير ان يأخذ،ضمنا،
موافقة جلادو الماضي عليها.
لقد رسمت الثورات
العربية خندقا كبيرا طوليا في فكر المثقف العربي المنتمي
الى دوله النامية. فكان هناك أدب ما قبل الثورة و تحت ظل
ما يسمى (الملكية والمستعمر الأجنبي ) وادب ما بعد الثورة
الذي اكتسى بهذا الهجوم الصريح أخيرا على القيم
الإقطاعية و علاقات الإنتاج المتخلفة.لكن هذه الثورات التي
أتت تحمل في تضاعيفها فكرا اشتراكيا كخط عريض مضاد لكل ما
هو ( ملكي ) و ( إقطاعي ) ورثت كجزء من اتجاهها الذعر و
الخوف على ذاتها و التحفظ الكبير تجاه البوح بكل ما يناقض
المبادىء التي أتت من اجلها. وهنا مقصلة المثقف العربي
المنصوبة الى اليوم؛ اللهاث وراء ثورات قديمة لم تستطع ان
تبقى على قيد الحياة من دون مساومات صريحة أطاحت بكل أحلام
الحرية الأصيلة.
ولان اغلب مثقفينا هم صورة بلادهم
النامية و مثالها فإنهم يروا أنفسهم في مواجهة بعض
الحقائق التي تتميز بها بلادنا والتي تعتبر القاسم المشترك
فيما بينها بالرغم من الفروقات الجغرافية و العرقية و
الدينية والثقافية التي لا لبس فيها.و سأورد هنا بعض هذه
القواسم المشتركة فقط لإنعاش الذاكرة، هذه القواسم التي ما
زالت قائمة حتى بعد ان أطاحت الثورات العربية تمام بالعهود
الكلاسيكية للاستعمار :
اولا
: ان الدول النامية، و على راسها الدول المصدرة
للنفط، تشكل 75 % من الدول المستوردة للأسلحة الامر الذي
يفهم منه ان الاضطراب السياسي و العقائدي هو في اوجه في
تلك البلدان التي تبحث من دون كلل و لا ملل على امنها
اليومي تمام كما تبحث عن مصادر قوتها، و عن التوازن
الاستراتيجي في ظروف دولية تشتد صعوبتها يوما بعد يوم.فاذا
لم ياخذ المثقف العربي هذا الواقع الأولي بعين الاعتبار فمن الصعب ان نتوقع من الأدب دورا محوريا داعما ومغيرا.
ثانيا :ضعف الأداء الاقتصادي
لدى بعض الدول العربية نتيجة النقص في الخبرة اللازمة و
عدم توفر الإحصائيات الدقيقة التي يعول عليها من اجل
الانطلاق في الخطط، ثم الفساد الذي يعتبر العامل الأول في
هدر الأموال العربية !و الحق يجدر بي ان انوه هنا على ان
بعض دول جنوب شرق آسيا قد احرزت تقدما مثيرا للانتباه
كهونغ كونغو كوريا الجنوبية و سنغافورة و تايوان و التي
اصبحت تعرف حديثا بالدول الصناعية الجديدة أو ( NICS )
اوNewly Industrialized Countries ، كذلك الامر
بالنسبة لماليزيا و الارجنتين و تشيلي و المكسيك و البيرو التي اخذت تعتبر من دول العالم (
الثاني ) . ثالثا : الفقر بشكل
عام و اعتماد اغلب دولنا على الزراعة. رابعا : الزيادة المهولة في عدد السكان لدى
البعض منها مترافقة مع هبوط نسبي بمستوى دخل الفرد.
خامسا : ضعف المؤسسات
التربوية التي غالبا ما تكون ملحقة بالحزب الحاكم و تروج
لمبادئة ثم اتساع الهوة بين المادة االتي يتلقاها
الطالب في المدارس و ما يطالعه خارجها هنا و هناك في وسائل
الاعلام و الانترنيت و ما اليها. و هنا دور المثقف الفعلي
في تغيير العقلية التي تتحكم في تربية الاجيال الطالعة
!
سادسا : ارتفاع نسبة
البطالة و انتشار المحسوبية المهول المؤسس احيانا على
الطائفية الخفية.
سابعا
: الاضطراب السياسي في بعض الدول ان لم يكن كلها و
عدم الاستقرار الذي يلوح كشبح هائل فاردا جناحية فوق
هلع الناس و عدم احساسهم باي ارضية متينة يستقر
فوقها الوطن. و هذا غيض من فيض المفروض ان يعيها
المثقف العربي و يبني عليها نبوءته و استقراءه للمستقبل و
حكمه. و الحق لقد تناول العديد من المفكرين وضع بلدانهم
النامي محللين الامور تحليا مباشرا و مركزين على الاثار
السلبية لما ذكرته اعلاه، كما عكست آدابهم عمق تجارب
شعوبهم الاجتماعية و السياسية و الثقافية و الاقتصادية و
مثالا على بعضها اورد هنا جزءا بسيطا من لائحة الأعمال
الأدبية، الأفريقية أنموذجا، الطويلة المتوفرة على
الموسوعات المختلفة المكتوبة وتلك المحفوظة في الذاكرة
الانترنتيه الضخمة :
1-
( أشياء متداعية) و هي رواية لشينوا اشيبا كتبها عام
1958 و تعتبر من كلاسيكيات الأدب الإفريقي التي ترصد
المغامرة الاستعمارية في المجتمع النيجري. تمتلىء هذه
الرواية بعرض للآثار الرضية للاستعمار و تصويرها السينمائي
للعلاقات ضمن العائلة و مفهوم الشرف و الحب و الموت الأمر
الذي جعل منها رواية أبدية لماحة.
2- ( بتلات الدم ) و هي رواية لتيونغو نجوجي
و كتبها عام 1977 و تدور أحداثها حول استقلال كينيا و ترصد
تحول المجتمع و تبدله مستخدمة السرد و القص ضمن مناخ
جغرافي يظهر الحساسية الإفريقية الجديدة.
3- ( اختنا كيلجوي ) و هي رواية لعيدو اماتا
و كتبها عام 1977. تسخر الرواية بشكل جميل من كتاب جوزيف
كونراد ( قلب الظلام ). تدور أحداثها في غانا و أوروبا و
هي تجمع بين السرد و الشعر و تعالج الخيارات المتاحة
للمراة الأفريقية مستخدمة الحكايات الكثيرة عن القمع و
العنصرية.
4- ( الحب في زمن
الكوليرا ) لغابرييل غارسيا مركيز و قد كتبها في عام 1985.
و تجري أحداث الرواية في أميركا اللاتينية و قد استخدم
الكاتب في صياغتها تقنيات الواقعية السحرية و هي تتحدث
بشكل أساسي عن سلطان الزمن و الذاكرة و الحب و الألم و كل
هذا بلغة شعرية مذهلة. و هي مترجمة الى العربية كما هو
معروف.
5- ( موسم الهجرة الى
الشمال ) للطيب صالح و لقد كتبها بالغة العربية عام 1969.
و أحداثها تدور في السودانو القاهرة و بريطانيا و تقدم
تحليلا نفسيا لمفهوم الاستعمار و الهجرة بأسلوب فكاهي
موجع.
6- ( شروط عصيبة )
رواية كتبها دانغارمبغاتسيتسي عام 1985 و تدور أحداثها في
زائير و هي تناقش الآثار التي خلفها فقدان اللغة و المنفى
و اللاانتماء الثقافي على المراة الأفريقية الشابة جسديا و
نفسيا.
و بعيدا عن أدب القارة الأفريقية و
اللاتينية، تقض العقيدة في عصرنا الراهن مضجع المثقف
العربي. فلقد وقعت على رأسه كالقدر المستعجل الذي لم يكن
في الحسبان و ان كانت رايات هذه العقيدة تلوح شبه واضحة من البعيد. لقد قدم له تاريخه العربي الطويل
العقيدة على طبق من ذهب. صحيح ان الغاية كانت سعادته لكنه
بسببها تمزق فكره و انفصمت روحه و تشرذمت أفكاره و بدا
ضائعا يلهيه التاريخ بمصطلحاته القديمة و مقدساته التي لا
يمكن المساس بها. و هكذا ابتعد تماما عن مشاكل الواقع
اليومي ليتلهى بحروب عقائدية أخذت ترقد كالنار في الهشيم.
و بالرغم من ان أدبنا العربي الحديث استطاع أن يلمح الى
بعضها، غير انه بقي بعيدا عن المس بعمقها دون تكفير او
مصادرة او ادانه. ليس هو قاعدة ما نؤمن به هو مراد المثقف
العربي و انما غربلته بالتأكيد.
لقد كتبنا الملاحم
العظيمة فيما مضى و تركنا أنفسنا نتجول على طول طريق
الحرير ( منذ 100 قبل الميلاد )، هذا الطريق الذي يمتد
مسافة 6000 كيلومتر من العاصمة الصينية عبر سهول الصين و
قرقورم الى سمرقند فبكتريا و دمشق و اوديسا و مرافىء
الاسكندرية و انطاكية على المتوسط ممتطين قوافلنا التي لم
تكن فقط تقل البضائع الغالية الثمن و انما الأفكار ايضا.
لقد كان الفكر يسافر مع البضائع و ينتشر كما تنتشر روائح
التوابل الهندية في مطابخ سوريا و لبنان او الحرير الصيني
على أجساد السمرقنديات. ماذا كان يقف في وجه
الفكر الذي كان ينتقل مع الهواء دون
حواجز، و ماذا يقف في وجهها الان في هذا
العصر الذي جعلنا نسمع تثاؤب أحبائنا في الطرف الثاني
للكرة الأرضية !!!
اننا نعيش عصر العقائد، بل حرب
العقائد و دمويتها و هذه الحروب هي التي خلقت عنوة أفكارها
الكثيرة مثل ( قبول ثقافة الاخر ) و ( التعايش ) و (
كلنا شركاء في الوطن ) و ذلك بسبب الخوف الراكد من انفراط
وحدة البلدان و تماسكها، و عندها لن ينفع الندم او صرير
الأسنان و سوف نلقى في الفسحة البرانية نصرخ و نعول و لا
مجيب بينما عقيدتنا التي كنا نريدها( الواحدة الأحد)
لا تستطيع ان تقينا برودة العزلة و الرمي.
يفهم العربي اليوم، مع الأسف، عقيدته كمتراس في
جبهة، كساتر ترابي يقيه شظايا ( العدو – الآخر ) و لا
ينظر إليها كعامل غنى له و للأخر الذي ( يعيش و لا
يتعايش ) بالقرب منه و يأكل معه من نفس القدر. يموت العربي
المسكين من هوسه بفرض وجهة نظره من دون حتى الإصغاء لوجهة
نظر الآخر الذي ينام معه في نفس السرير و يشرب معه من نفس
الصنبور ان لم نقل النهر. و المثقف إما هو على صورته أو
ينفخ في بوق الوحدة الوطنية و هو في الحالتين غير قادر على
فرض ما يريد لأنه بعيد عن السلطة و مراكز القوى التي بيدها
قرار الحل و الربط كما نقول.
المثقف العربي يشتم
سلطته و يعتبر انه في برجه العاجي منزها عن قذارة السياسة
و عن العاملين فيها معتقدا انه بذلك يقي نفسه من أقوال و
تقييمات كثيرة، أكثرها رواجا ( شاعر البلاط ) او (
فنان السلطة ). و الحق لا الابتعاد في الأبراج العاجية
المحنطة و لا الركوع على أعتاب ( أبوابهم ) هو الحل و إنما
بفرض برنامج إعلامي و تربوي يكرس بشكل لا يقبل الزعزعة
الإحساس بالانتماء الى الوطن كله و الى الارض و ليس
للعقيدة فقط.
هذا هو دور المثقف و الفنان تماما
برأي : المطالبة من دون كلل او ملل الشعب كله، خصوصا اذا
كان البلد يعاني من (موزاييكه الثقافي و الطائفي الخاص
)، ان ينتمي الى الأرض التي تحمل لقبا و اسما واحدا.
ليس المطلوب ان يلغي الإنسان عقيدته او أفكاره او تطلعاته
و إنما المطلوب ان يصغها بشكل تصبح ( بقائية ) بالنسبة
للوطن الذي يريد ان يحافظ عليه كبؤبؤ عينيه كما يدعي. فليس
كل ما يخرج من الفم يغلفه الصواب و الحكمة، و لسنا منزلين
فنتحدث بالمقدس طوال الوقت. و لهذا فان أي كلمة تخرج من
تحت أقلامنا يجب ان تحمل هذا الكم من المسؤولية و المحبة
تجاه الأرض التي ننتمي اليها و ذلك بما ينسجم مع عقيدتنا و
قواعد حياتنا الثقافية و الأخلاقية النسبية الخاصة.
هكذا،برأي،يقي المثقف نفسه و حتى رجل الشارع من أي
إحساس بالغبن و ضياع الكرامة. و بعد، على أي جبهات نحارب
نحن كمثقفين عرب في وطننا الكبير اليوم ؟ و ما هي
البؤر التي نلف و ندور حولها بصبر ايوب !!
الحق
هناك جبهتين كما ارى نقف في مواجهتهما : أولا : الكشف المتواصل لكل تسلل معاد لوجودنا
كأمة واحدة. و لا يخفى عن الجميع ان الوسائل المستعملة
اليوم للهجوم و التسلل في هذا العصر أصبحت لا تعد و لا
تحصى و ما كان يوجه في السابق ضد بيادر القمح و
الصوامع فانه يوجه اليوم الى عقول شباب الأمة باخس و ابخس
الطرق وابشعها، تلك العقول التي تشكل جزء كبيرا و خطيرا من
البنية التحتية لأي مجتمع. و لهذا فان المعركة لم
تعد ( جيشا يقاتل على حدود ) و انما غدت حركة مجتمعية
منخرط فيها كل فرد من أفراد المجتمع بحسب وعية
و قدرته و مكانه.
ثانيا: ضرب
الفساد بكل ما أوتينا من قوة لأنه الهدار الأكبر لمقدرات
الأمة و ثروتها و أصولها.
ما عدا ذلك، لن يضيرنا
ان فشلت قصة حب بين رجل و امرأة عربيين او انكسر قلب
إحداهن او احدهم، فحين تكون جبهة الوطن محمية فاننا نستطيع
ان نحل مشاكلنا الاجتماعية الأخلاقية بروية و هدوء، و ان
نعيد النظر بكل حكمة بمسلماتنا التربوية و الاجتماعية و
الثقافية التي تحولت مع الوقت الى قوانين منزلة مقدسة لا
تمس. الحق، اننا لا نريد ان ندافع عن وطننا بكل عجره و
نجره و إنما نريد لأحسن ما فيه ان يبقى على قيد
الحياة.
و لهذا فان ثورتنا متواصلة. إنها أسلوب
حياة غير مرهون بفترة زمنية محددة و لا تهم ان تمت ببطء
بعض الشيء، المهم ان ( تكون ) و ( تبقى ) و تستمر.
نريد لأنفسنا ان نتحاور من خلال هذه الثورة، و ان نعيد
النظر في خطها العام كل فترة خوفا عليها من الذبول و
التراجع او الكسل و ان نكرس الأفضل فيها بينما عيننا على
وحدتنا الداخلية و تماسكنا كمجتمع حي يقبل كل فرد فيه
اختلاف الآخر عنه بعقلية حضارية عارفة انه لولا هذا
الاختلاف لما كان هناك غنى، و لما كان هناك تعددية و تنافس
بقصد التطوير و لا كان هناك حتى إمكانية للحب الحقيقي بين
أطراف العشيرة الواحدة. |