كلاديس مطر عن:

آية الفن صدر الدين أمين

 في أول رسالة تصل إلى بريدي الالكتروني من الفنان التشكيلي صدر الدين أمين كانت ثناءا لطيفا منه على مقالة لي نشرت حول الفن. من يهتم هذه الأيام بمقالات تتحدث عما يشغل بال الفنان..الا من تحدث كلمة ( فنان ) هذه الشرارة بينه و بين روحه!

و الفن حقل واسع شاسع كبير عميق لا قرار له ولا سقف ولا جوانب ولا حواف. انه الكون كله بذاته ، الكون بكل متناقضاته المتجانسة و المنسجمة .

وقع صدر الدين رسالته و الحقها بموقعه الخاص على شبكة الانترنت. و الحق لم يكن ( لنك ) موقعه إلا بوابة إلى جنون عاقل من نوع آخر!

لقد رتب لوحاته طوليا على خلفية سوداء و ما أن تركت الصفحة أمامي تكر حتى  تدفقت الألوان و الأشكال و الرموز و خرجت من شاشة الكومبيوتر لتمتلىء غرفة مكتبي بها.

أي ( بني آدم ) هذا الذي يتجرأ و يقول عن هذه اللوحات ( فنا )! و لما مخلوقاته مكررة في كل اللوحات! ولما يعيد كتابتها بشكل استحواذي و لا أقول رسمها!! و لما هي بدائية تشبه رسوم الأطفال في سنينهم الأولى!! لوحات تشبه  الأقمشة المزركشة التي تخيط منها جميلات الغجر فساتينهن . هذا كان أول انطباع لي وأنا مغمورة إلى ما فوق راسي بهذا الغزو الملون المبرقع الطفولي .

وما بين إحساسي بان ما أراه أمامي ليس إلا (مجرد لهو) وإحساسي أنني أمام عبقرية جديدة تهت وتاهت معي كل أدواتي النقدية و كل عدة الشغل و المساطر !!

عمارة صدر الدين ...

و توالت الرسائل بيننا وفي كل مرة كنت أعيد النظر في لوحاته على ضوء ارائه وأفكاره ونكاته وخفة دمه الفنية الغريبة و قدرته على خلق الحياة من عدم الكلمات والحروف !

واخذ انطباع يكبر في نفسي أن من يكتب عن صدر الدين يجب ان يتخلى عن أي لغة تشكيلية نقدية محترفة. بل ان هذه اللغة الصنمية التي تمتلىء بها دراساتنا عن الفنانين لا يبقى منها شيء سوى وقار اخرق زائل لكاتب النص ولقب أكاديمي حمل الفنان ولوحاته لما فوق طاقتها على الاحتمال وهو في كل هذا يدعي انه ضرب (عمق الحالة الشعرية للفنان). واصطلاحات أخرى غريبة عجيبة من هذا القبيل.

في إحدى الرسائل الجميلة كتب صدر الدين يقول : (اجد الحياة لعبة والرسم لعبة ... انا رسام فقط ولكن احاول ان افكر في الرسم اكثر من اللازم لذلك فانا اتامل كل كلمة وبامكاني ان ابني عمارة على كلمة واحدة ...) .

الحق لقد حل صدر الدين لغز لوحاته المكررة ظاهريا والمختلفة تماما في العمق حين اعترف بقدرته المهولة على بناء (عمارة) على كلمة واحدة أو عنصر واحد.

هذه المقدرة الفنية سمحت له ان يتناول العديد من المواضيع الكبرى التي تشكل هاجس لوحاته ،و لعل عناوين اللوحات تشي بهذه الهواجس الجميلة التي تشبه النحاس العتيق أو البرونز حين كانت تصنع منهما فؤوس الزراعة الاولى .

الحق انه فنان ( الانطباع ) . انه احسن من يعرف كيف يترك اثر في نفس متلقيه و لهذا فانه يحاوره من خلال لوحاته بشكل ممتاز و هذه القدرة على الحوار تعكس جودة اعماله الفنية .

ان لوحات معنونة تحت اسم ( الغابة ) بالوانها الصفراء و الحمراء، أو ( الحياة الاسطورية )، أو (متع) ،

أو تلك التي اطلق عليها ( خارج الارض ) أو ( العالم القديم ) أو ( الارض الغريبة )، أو حتى تلك التي صنفها تحت اسم ( المخلوقات الاسطورية ) .. كلها تشي بما يعتمل في ذاكرته القديمة الممتدة جذورها الى ما يقرب من عشرات  الآلاف من السنين الرافدية .

ولهذا من الظلم ان ( تٌرى ) تجربة صدر الدين التشكيلية انطلاقا من الفترة القصيرة التي عاشها خلال حياته الآن على الارض. ان الامر يشبه من يحكم على سلسلة طويلة من الحلقات ..انطلاقا من آخر حلقة صغيرة فيها ، و ذلك لان قامة ذاكرته طويلة جدا ومن الغبن ان لا نراها كلها و ذلك قبل ان نقرر ان نتعامل معه هو شخصيا كفنان أو مع مواضيع فنه .

في رسالة اخرى مليئة بالتدفق الشعوري العالي يكتب و يحلل قائلا : (كل من يشاهد ويقرا عن بيكاسو يحبه كل من يشاهد فان كوخ ويقرا عنه يعطف عليه ...انا صدرالدين اريد ان اكون الاثنين وبعبارة اخرى اجمع بين الاثنين لانني مؤمن تماما بان اعمال المبدع هي انعكاس او مراة حياته الداخلية . والحياة الداخلية للفنان  هي معاناته  الداخلية الحسية،  ولا اقصد  هنا الجوع والفشل و إنما امور اخرى  مثل القلق والتوتر والتسسم الذاتي المرضي الذي يصيب الفنان. ثم هناك الموت هذا المجهول الذي يتربص به حتى وهو في قمة الشهرة او الثراء . ان ما يجذبني شخصيا و بقوة الى فان كوخ هو معاناته وليست لوحاته، و لقد احببته  لانه كان مخلوقا معذبا . ان معاناة فان كوخ وحياته البائسة اكبر من فنه بكثير وهذا راي يخصني وحدي! والذي يجذبني الى بيكاسو هو عبقريته الفذة وثورته في الفن و ليس  حياته الشخصية التي هي ملك له طبعا.  لم احبب حياة بيكاسو خاصة وهو يستبدل نساؤه على هواه .  تقول برجيت وهي احدى زوجاته اه  كان كلما رسم امراة على شكل عنزة مثلا اعرف انه يريد ان يستبدل امراته باخرى ..وانا شخصيا اكره ذلك بقوة.

انا مهرج ولست فنانا عظيما مثل غويا ورامبرانت وفيلاسكيس. )

حين قرات هذا اسقط من يدي في الحال . فهذا ليس راي صدر الدين بفنانين من اهم فناني القرن الماضي على الاطلاق و إنما راي التاريخ العميق الذي يمثله صدر الدين  بماهية الفن . هو لا يستطيع ان يفصل الفنان عن سلوكه أو عن حياته الخاصة خصوصا انه ما فتىء  يشكر الله في كل رسائله الي ( ... لأنه وهبني زوجة صالحة وامرأة نادرة فهي بالنسبة لي الأم والأخت والزوجة والصديقة والحبيبة وكل شئ و كل هذا نعمة من الرب الذي اشعر بأنه يحبني جدا لذلك...) .

لقد رسم صدر الدين لوحة ( العائلة ) بكثير من الجمال و الخصوصية و هاهي كاملة لا ينقصها إلا احد الابوين ، الامر الذي يعكس فهم صدر الدين الخاص لاشياء هذه الحياة . ان نشأته في غياب احد الابوين قد ظهرت جليا في لوحاته. و بقدر ما كتب عن المعاناة و تغنى بالحزن و استفاض في امثلته (الحزن هو فرحي الدائم ) ، بقدر ما استطاع ان يرسم الفرح بابهى معانيه لانهما ، الحزن و الفرح ،  كلاهما معا في داخله .

  

Family 2004 acrylic on canvas 14x18 in

تريثي في الكتابة عني ...

يقول في إحدى رسائله : (الهاجس الوحيد الذي يشغلني هو ان انتج واخترع لوحة ليست فقط جميلة بل جيدة وجميلة , فالجمال بدون جودة فعل ناقص والجودة دون جمال فعل ميت .عندما ارسم لا افكر ان كانت فكرتي ستصل الى جهة ما فهذا الامر لايعنيني. ولا اقول لايعنيني البتة ...لاني اولا واخيرا ارسم للناس مثلما ارسم لنفسي ولكن في الحقيقة يهمني ان اكون مفكرا في الرسم لاجل نفسي اولا  و من دون هذا التفكير اجد ان لوحتي ستكون سطحية  تماما مثل الصور التوضحية في الكتب المدرسية مثلا....في اعتقادي ان مغامرة الخط واللون والشكل تشغلني تماما ، اني اعتبر المغامرة اللونية روح وجوهر اللوحة، فهي تعطي الديمومة وصيرورة العمل الفني...)

الحق لن يتمكن ناقد فني ان يتحدث عن الفنان كما يتحدث هو عن نفسه و لا حتى لوحاته . لقد كان صدر الدين يطلب مني ان لا اكتب عنه بسرعة و أن اخذ كل وقتي و ان اسمح للزمن ان يعطيه حقه من فهمي له  و ذلك عندما صارحته برغبتي في الكتابة عن تجربته . كان يقول لي تريثي( لكي تكون المادة المنشورة مادة متكاملة وفيها روح و عاطفة وشعور وبساطة وبراءة إضافة إلى التحليل ) .

لقد كان يريدني كناقدة و كانسانه ان  افهمه بكليته ، كروح ، كعقل ، كفنان مبدع ، كطفل و كرجل . و للامانة أقول انه انطلاقا مما ذكر تماما يمكن فهم فنية صدر الدين و رموز عمله التشكيلي الابداعي و ليس انطلاقا من أي مستوى اكاديمي آخر

لم يكتف صدر الدين  بالنصحية، و إنما اخذت تنهال علي كل المقالات النقدية التي تناولت اعماله و كل النصوص التي تحدثت عنه و التحليلات و المقابلات . و غرقت في بحر من المصطلحات التي لا قرار لها و بدت هذه الاوراق

( الرسمية ) التي بين يدي اكثر حرفية مما نويت ان اكتب عن تجربته . ففي واحدة من المقالات لم يبقى اسم فنان إلا و ذكر فيها و لم يبق تحليل لمدرسة نقدية أو عبارة مرت على لسان   رسام من القرون الماضية إلا و استشهدا بها كليهما ،صدر الدين و الناقد . شعرت  بالاكتئاب و العجز .  فبينما كنت اتطلع الى داخل روحه لاعرف اتجاه بوصلتها ..كان ( الجميع )  يلوحون اكثر حرفية مني فيتناولون ( الرجل ) من زاوية أخرى تماما .

و عدت من جديد ( للتنزه ) في معارضه الانترنتيه و اراجع رسائله التي امتلأت بوجهات نظره ابتداءا من الطبخ

 و انتهاءا بالحب ..كان الرجل صاخبا بمشاعره .. يريد ان يتحدث عن الفن و الحياة و الموت و العائلة و الحب

 و ان يختم كل هذا بنكته أو صورة مبتكرة . كان صادقا لدرجة تدفع على الدهشة ، نقيا ، مندفعا بحب ، كريما ، باذخا في منح ثقته و محبته ، مثقفا من دون اشهار ، راضيا بصمت و رافضا بصمت ..! و الحق كانت تلفتني فيه مقدرته المتساوية في عرض افكاره العميقة المثقلة  بفلسفته و الحكم وكذلك ابتكار (القفشات) اللغوية و الصور المركبة الشديدة الكوميدية و التي لا تفرق في فنيتها عن ريشته . كلاهما معا هو !

لم يكن صدر الدين متحفظا لا كفنان و لا كرجل – طفل . كان لسانه ينطق بما يمليه قلبه الذي انهكه الحب (الحب الحقيقي هو ان اكون انت وتكوني انا وعداها لايوجد معنى للحب) ، و الوطن (العراق هو القلب رغم اني لم اعش هناك كانسان كامل, وهو الصورة والفرشاة واللوحة وزمن وطفولة ترافقني ابدا  ) و الثقافة العربية (المريضة والمثقف العربي المريض ) والايمان (الله حبيبي وانا اعبده ليس خوفا منه) و الإبداع (اشعر باني مبدع حينما تدخل ابنتي الصغيرة الى المرسم وتشاهد ما ارسم وتقول من كل قلبها واو واو واو يو ار كريت ارتست دادي ريلي ريلي ) و الفن (ارسم لانه لابد لي ان ارسم . اشعر بان حياتي دون الرسم خطأ كبير لايغتفر. ارسم لاني احب الجمال . ارسم لاني لا اعرف نفسي الا عندما ارسم . ارسم لاني دونه مريض . ارسم لاني اريد البقاء على قيد الحياة.  لا اجد لذة الا في الرسم.. )

هذا الرجل الجميل لا يفتىء يخبرك من هو ..فلماذا اذا انت كناقد ستعيد سرده بلغتك و قلمك و وجهة نظرك . لماذا اذا كان بذخه الداخلي العارم و روحه الفياضة تخبرك عنه !!!؟؟؟

كرنفال رافدي 

حين نقلت نظري بين لوحاته الجميلة المبهرة رايت ان اشكاله تلعب ادوارا مختلفة في كل لوحة و كانها شخصيات اخرى تماما. فحين نقف امام لوحة ( فصل الربيع ) فهناك الالوان الزاهية و لكن الخجولة و الاشكال الدقيقة في بداية تفتحها . و في ( الكرنفال ) تدهشنا صخب الزخرفة بينما ملامح شخوصه البدائية المكررة تشبه الاقنعة في العروض الاحتفالية الكبرى . اما ( مخلوقات رافدية ) فهي الذاكرة المصبوغة بالاحمر و كأن التاريخ مقدم لنا على طبق من مجازر و ملاحم الماضي على حين لاحت الشخصيات شبيهة بالرسوم الاولى على الرقم و حجارة الاساطير . و في لوحة ( يوم جديد ) ترى النور الدفاق و الفرح الطاغي على مخلوقات ذاكرته القديمة. كل شيىء هنا يحتفل ، يبتهج ، حتى الخطوط و الازرع المتباينة الطول و القليلة الاصابع و كذلك الشموس باشعتها الفيروزية الخضراء الفاقعة .

 

New Day, 2003 , acrylic on canvas , 24 x 24 in

في إحدى رسائله الملونه ذات الخلفية الصفراء تارة و الزرقاء تارة اخرى وكأني اركب  في ( بوسطة) قديمة متجهة الى إحدى قرى بلاد الشام ..يتحدث صدر الدين عن اللون و الضوء في لوحاته: (اعشق الالوان الصريحة والحارة  ونادرا ما امزج خاصة وان صناعة الالوان اليوم وصلت الى درجة كبيرة حيث بامكان الفنان في امريكا مثلا ان  يعثر على عشرين تدرج من اللون الاحمر او الاصفر مثلا.  اسلوبي البدائي في الرسم  يحتم علي ان اضع  الالوان كما هي لانها ستكون قريبة من فنون الكهوف ورسوم الاطفال  والرسوم البدائية ورسوم المجانين في مصحات الدول المتقدمة . الضوء في اللوحة كالروح في الجسد مرئي وغير مرئي موجود وغير موجود . الضوء الخارج من لوحتي  يخرج من اجساد كائناتي. ان مخلوقاتي تشع بالضوء من داخلها  وليس من الفسحات التي بينها.  مفرداتي وكائناتي مخلوقات ضوئية ؛اي مضاءة من الداخل وذلك بفضل الوانها الصارخة وخطوطها الخارجية تجبرها على  ان تشع من الداخل ... )

اسرار صغيرة ..

 لو قدر لي ان ارفق مع هذا النص للفنان صدر الدين امين ،فيلم تسجيلي لطلبت ان اكون  انا المصور و المخرج معا فالحق به الى صالون منزله و اصوره جالسا، مستوحدا  و قدماه ممدودتان  يعتمر قبعته الصوف و اللاب توب في حضنه يكتب و يراسل الاصدقاء و يقرأ النصوص الفنية و قصص حياة  رسامي العالم التي يعرفها عن ظهر قلب   بينما تكسو الحائط خلفه إحدى لوحاته المضاءة ببهائها الذاتي  و لوحات متفرقه لبناته الجميلات ، و لكنت لحقته بعدستي الى إحدى الغابات  القريبة من بيته في لانكستر -بنسلفانيا حيث الهدوء و صوت موسيقاه الداخلية الخاصة يتامل حينا و يدندن اغنية ( تلفن عياش ) لزياد الرحباني  حينا آخر  ، و لكنت سرقت لقطتين سريعتين لزوجته و هي تجلب قالب كيك ضخم من صنع يديها لتحتفل هي و ابنتيه بعيد ميلاده الثالث و الاربعين ، و لكنت درت معه في آخر معرض فني له حيث الكل منشغل ( بالفرجة ) على لوحاته بينما هو في إحدى الزوايا يستعد لاخذ صوره له و لزوجته على حين تقدم ابنتاه  ( العصير ) للحضور ...و لكنت احتفلت معه بعيد الشكر ، هو الذي ينتمي لكل الاديان ،  و سجلت لقطة طريفة له و هو يهم بتقطيع صدر الديك الرومي ..و ..و لكنت ... و لكنت ...و لكني لست مصورة و لا مخرجة و لا املك حتى كاميرا عدا عيناي و صور كثيرة و ثقة صدر الدين التي يمنحها لاصدقائه بلا حدود و مشاعره التي يسكبها بلا حساب و محبته التي تطفح من رسائله و تفيض و هو يعطي رايه بكل شيىء . 

في رسالة طويلة كتب صدر الدين يقول : ( الحياة لا تعطي للذي لا يعطيها. انا شخصيا لو لم اكن رساما لكنت اعتبرت نفسي لا شئ.. انا بصراحة حزين  من اجل ذاك الذي لا يعيش حياته. اريد ان اعيش حياة كاملة) .

هذا ما يفعله الفنان العراقي آية الفن صدر الدين امين بالضبط. يعيش حياته بعمقها و حلاوة روحها واحزانها.. وفي آخر النهار يصب كل ذاته الحية على الاقمشة و يعيد صياغة الدنيا من جديد بحسب رؤاه هو، مسلحا بكل رموز العالم القديم و رسوم الكهوف و خربشات الاطفال . 

  أهلا بكم في موقع الفنان صدر الدين أمين

 

جميع الحقوق محفوظة ©2006 للكاتبة كلاديس مطر