" زلة أخرى للحكمة" لجريس سماوي

لا يكفي ان نقرأ ديوان جريس سماوي الاول "زلة اخرى للحكمة" لكي نباشر بكتابة تعليق او نقد او دراسة حوله و ليس هذا مرده لصعوبة مطالعة النص او لشدة رمزيته او فلتانه من الوزن الشعري. لا شيء من هذا في الديوان! فشعره ليس عصيا على الاقتراب، وانما يندرج تحت مقولة السهل الممتنع، ولا يطفح بالرمزية المعيقة، وانما هي رموز من امتلأ بثقافة عصره المتنوعة. ولا يهرب  الوزن من بين يدي الشاعر مبررا ذلك بطغيان الفكرة، فالوزن لديه جزء لا يتجزأ من الفكرة تماما.اذا ماذا ينقص حتى نتمكن من التعليق او سرد (زلته ) الشعرية بصورة نقدية !!!!

الحق، يحتاج المرء لثقافة عالية جدا وانتقائية تماثل ثقافة شاعرنا ان لم يكن اكثر لكي يستطيع سبر غور قصائد الديوان! . وانا هنا لا احمل كلامي الى ما فوق طاقة الواقع على الاحتمال! فقصائد الديوان الغزلية والوجدانية والوطنية و الفلسفية على جماليتها، تحمل قمح فكره الاخضر والناضج   ( كتبت بين 1987-2004 ) . و هذا القمح على بساطة مظهره يحمل في تضاعيفة كل ثقافة بلاد الشام العتيقة و الحديثة، علاوة على ثقافة من قارب العالم الخارجي  و فهمه من خلال قناعاته الخاصة و  وجهة نظره و رؤاه و رسالته التي يلتزم بنشرها من اجل نهضة مجتمعه الفكرية و الثقافية  . و لقد ادركت لاحقا  ان نقداً مجداً و حقيقياً ما كان ليكتمل الا بالحضور .. الحضور الفيزيائي الذي يرمي على النقد عباءة الصدق !

ولم يكن الشاعر كثير الاستفاضة في الحديث عن ظروف كتابة القصائد، ولكنه سلمني المفتاح ، المفتاح الى كل النصوص حين قال : كثير من القصائد أمسكت عن إكمالها  لاني لم احسم موقفي الفكري بعد، بالرغم من اكتمالها كشعر و كلغة وكتدفق !   و هنا نتوقف قليلا ، فهذا شاعر لا يلهيه الجمال أمام الرسالة ، بل انه لا يؤمن بفن لا يحاور متلقيه او يترك اثرا فيه .      و هذا انبل تعريف للفن على راي الفيلسوف و الفنان  الأميركي لافاييت ران هبارد الذي يقول ( art is the quality of communication ) أي الفن هو نوعية الحوار ، و كأن لا قيمة  لأي عمل فني، الا اذا استطاع ان يتحاور مع المتلقي، أي ان يصل اليه . و بقدر ما تكون قدرة العمل الفني على الحوار ذات جودة عالية بقدر ما يكون الفن جيدا او اصيلا حقيقيا .

وعلى ضوء هذا الرأي احب ان افكك شعر جريس سماوي، و ان ادلف الى ( عناصر ) قاموسه الشعري، مسلحة بكل ما حباني الله من عدسات و مكبرات و قدرة على الغوص و موضوعية . و هذه الأخيرة هي من أغلى الأدوات التي يمكن ان يقتنيها ناقد ، فهي صفة- أي الموضوعية -  على جمالها هشة ، غير مستقرة، و تطير أمام لفحات الجمال المجرد او الطرب ! اذا ، سأقطب حاجبي الآن و سأدلف الى عالمه الشعري  عامدة الى مقاومة كل لقطة شعرية جميلة ، او كلمة تتحرك باتجاه القلب، من اجل ان احمي هذه الموضوعية الآيلة الى السقوط لدي أمام قصائده ، و سأدرس كتلميذة دؤوبة أحجار الأساس لديه ، و الكلمات – المفاتيح التي تفك شيفرة الأفكار ، و نقاط الضعف و القوة ، و الصعود و الهبوط على سلم هذا القلق الأصيل الذي يتلبس الديوان من أوله الى آخره و ذلك بكل ما لدي من قدرة على الاختزال .

وفي إبحاري، استطعت ان احل بعض رموز شيفرته الشعرية التي تتبدى هنا و هناك ، واضعة يدي هذا الخيط الذهبي الذي يربط كل الأفكار و التعابير الشعرية من أول الديوان الى آخره . و بالرغم من ميلي القوي لعدم تحميل النصوص، ما ليس فيها كما يفعل الدارسون ( الجديون المتمعنون ) الا ان الرموز كانت تقفز أمام عيني قوية ملحة .

فهناك كلمات يرتبط الشاعر بها كارتباط الوليد بأمه و لا تخلو قصيدة تقريبا من الديوان من ذكرها، مرة او مرتين او حتى اكثر مثل ( غيمة ، غمامة ، ذهول ، قداسة ، نبيذ ، خمر ، هيكل ، ضوء ، روح ، حلم ، صمت ، ملكوت ، البحر ، الماء ، السماء ، القرى ، البدء ، سر ، يشف ، يذوب ، بهاء ، مطر ..الخ ) .

 و الملاحظ المهتم هنا يفهم مما يتشكل عالم سماوي الشعري ، و الى أين تأخذ هذه المجموعات الخاصة من الكلمات  و كيف يستغرق بهدوء برؤاه الشعرية الداخلية.

ففي قصيدة(  ماشا و أغنية الغجري)  ، ينفجر عشقه للتاريخ القديم الأسطوري، و تتبدى ثقافته كابن لبلاد الشام بأساطيرها و رموزها الجميلة ! و للحال نفهم ان كلماته المختارة، ليست إلا لخلق مناخ اسطوري عتيق، يغلف الأفكار بالحكايا و صور الأميرات و القلاع العالية و حوريات الماء  ، هذا المناخ الذي ينتمي اليه سماوي بكل ثقله الوجودي و فانتازيته التاريخية .

 انا سارق الخيل ليلا

وسائسها ،

ومدجنها في المراعي

بقيثارتي سوف اسحر كل

الثعابين

ارقص مثل عريس من الجن

منتشيا

و اغني لـ ( ماشا ) الجميلة

و هي تسير الى البحر

حيث الهواء كسول

و حيث المدى قاربي و شراعي .

و لا يتوقف الشاعر عند الأسطوري، و يستلهم منه، وانما يكمل ، كتدفق حركة التاريخ ، و  بعلمانية لا جدال فيها ، طريقه باتجاه مذبح الأديان، و يغرف من رموز الله ما شاء له و ما طاب ! لكنه ليس مجرد مرور الكرام، و انما مرور المتأمل المفكر و صاحب الرؤى و الموقف . ان سماوي يعرف كيف يسقط الرموز الدينية و سيرة الله على الواقع، فيخلع عنه البهتان و يدخله في الق التوهج . ففي قصيدة           ( الصديق ) الشديدة الإيحاء و المعنى ، يظهر هذا الصراع التقليدي بين خيبة المؤمن و انكساره و شعور الذنب من مجرد الشك :

 هدهد القلب اذ فاجأته ارتباكاته

قال للبيت رب

فلاتغمض الروح في اللحظة العابثة

واتئد في المرارة و الشك

فالديك صاح هنا صيحتين

فلا تنكر الرب في الثالثة

و فضاء الوطن ،

مثخنا لم يزل

و هذه القصيدة هي من اجمل و اقوى القصائد في الديوان، على عمقها و شدة مغزاها و جمالية الطرح و شفافيته ، و فيها  يصل سماوي الى القاع ، القاع تماما طارحا اكبر الاسئلة على المحك : ماذا يستطيع ان يقدم لي الدين بالمعنى المؤسساتي للكلمة ، بالمعنى الاكثر كلاسيكية و انا انسان مستلب الروح شمالا و يمينا !!!! و لا يكتفي ، كما يبدو ، بمجرد السؤال ، فيكمل في قصيدة(  الرغيف)  سلسلة أسئلته الوجودية ، و من جديد يصف الخيبة ، الخيبة المرة حينما تدير المؤسسة الدينية ظهرها غير مبالية :

 مريض بجوعاي ،

بالزالفين إلى كعبتي

بالحجيج

الألى انتظروا طلتي

عند جسر التعب

وأنا لم اطل

 مريض بمن رسموا صورتي

كهلال ،

و من لعنوا الحوت

من رقصوا كالدراويش

لكنني لم أهل

ما هذه الجرأة يا سماوي ! هل اسمك مجرد صدفة ! أراك تغرف من رموز الكتب الدينية بحكاياها و العقائد، لترفض كل ما من شأنه ان ( ان يخذل ) إنسانك المقدس ! انك لا تشتم ، ولكن تعاتب ، لا تثور و لكن تسأل ، لا ترفض و لكن تهز رأسك أسفا !! ثورة هادئة راقية مليئة بالحوار و الرغبة في الفهم  ! و بدلا من التوجه كبقية خلق الله إلى الماورائيات من أجل استجداء الجواب او حتى  البوح ، يدور الشاعر على كعبيه لييمم وجهه شطر الجمال معلنا مرة أخرى احد ثوابته الفكرية الخاصة التي تختبىء وراء  القصائد و الكلمات .

و في قصيدة دعاء الورد، تتبدى هذه المقدرة المطاطية الفكرية ، مقدرة لاعب الأكروبات ، لتحميل رومانسية الأفكار ثقلا اكبر مما هو متوقع : موقفه الحقيقي من الأشياء .

 أيها الورد

يا ذا البهاء الخفيض

أنر

باريجك ديجور نفسي

وطف

عريها

بإقدامك الناعمة

و بارك

بزيتك إطلالة نائمة

في غدي .

الا ايها الورد

يا ذا البهاء

و يا ذا الرجاء

و يا ذا المسرات

يا ايهذا النبي المؤاسي

و يا ايهذا النبي المسمر بالحلم

و الممتلي بالنعاس .

الحق ، يجب ان أسرع فاضيف هنا ، ان شعر جريس سماوي ليس معطى كما يبدو للوهلة الاولى، لرجل الشارع . فلقد صب الشاعر فيه كل فكره و ثقافته المميزة المتنوعة، و يبدو انه على كل مفترق طريق له ومضة فكرية – فلسفية  و وجهة نظر يريد ان يوصلها، و موقف يحارب بهدوء الحكيم لكي يقوله …انه يعترف ان هناك زلة في الامر . انها زلة من يريد ان يعيد الامور لنصابها، بعد ان افسدتها حركة التاريخ التي لا مناص منها . ليست علمانية سماوي ملحدة ، انها علمانية كاشفة مؤمنة في باطنها  ، و ايمانيتها حرة منطلقة  ، انها كما يجب ان تكون لا كما هو الايمان  اليوم مبجلا و مبخرا كصنم . انصح  من يقرأ  لسماوي ان يكون على مستوى الحرية العالية و العميقة التي كتبت من خلالها النصوص . انها ليست الحرية  المنفلته من كل معايير ، و انما الحرية الواعية المسؤولة الشديدة التمسك بالخير .

اما الحب ، فهو لغز الألغاز .. و مفاجأة النقد الكبرى . اذ قد  تُشعر القراءة السريعة،  ربما، بصعوبة تسلق رموز و فكر الشاعر المنتشرة  في القصائد الوجدانية ، لكن في الواقع لا تكمن الصعوبة هنا، و انما في قصائد الحب لديه، على  بساطتها و وضوحها . و الحب من الموضوعات الكاشفة مهما كانت مهارة الشاعر كبيرة . الحب هو محك ( و ج د ا ن ه )  و  الكيفية التي يتنفس هذه الحياة ذاتيا و داخليا من خلالها .

صعب جدا ان يكشف لك مجرد حضور الشاعر  الفيزيائي وجهة نظره في الحب ، ولا حتى ان تعرف شيئا عن حياته الشخصية ، و مع ذلك هناك لحظات ، لمحات ، كلمات قليلة قد تكشف المستور  . فالديوان مهدى الى الوالدين … أول علاقة جدية في مشوار الحب و ربما أقواها على الإطلاق .. انه مهدى الى الحليفين القويين في حياة الشاعر؛ أي الى من علمه الأبجدية و الشعر ، السلاحين الامضى لديه . ماذا بقي للمرأة اذا لكي تقدم ! لنرى  !!

في قصيدة (طقوس ) و هي ثاني  قصيدة في الديوان و اقدمها (1987) نلمح بعض مواصفات الرجل في شاعرنا ، الرجل حين تمر عليه رياح حب طارئه . انه يعترف انه صامت بقدسية ، يشع بهاءًا ، انه حتى يشبه حجارة الهيكل . لكن مرور المرأة يجعله يرق و يذوب و يشف .. و يتكرر هذا النوع من الحوادث من قصيدة حب إلى أخرى، و في كل واحدة تتبدل ، و ان تشابهت،  طقوس الحب و كذلك ردود فعله . أنها هناك ، امرأة الحلم تمر بهدوء و تلقي التحية فينطق الحجر . أنها ملاك بفم مقدس و جناحين من ضوء ، و هو هناك يجلس في ملكوته كأمير متوج ، أمير أسطوري ينتظرها لكي تمر، فتضج روحه العذراء البكر .

 كملاك صغير

بيدين من الفضة الساحرة

و فم مثل حبة توت مقدسة

و جناحين من الق الضوء

مرت ،

و القت تحيتها العابرة

خلفتني رمادا و اغنية حائرة

اما في قصائد لاحقة مثل ( صلاة الجسد ) فتكبر الجرأة لدى الشاعر و يقتحم الحسي، بكل جبروته، لدرجة انه ينصاع بكل طيبة خاطر لثورة الحواس من دون ان ينسى ان يجعل المشهد كله في النهاية يلف و يدور حول اناه هو  :

 ساسجد قرب ضجيج الجسد

انا أجمل الفتية الساجدين

لهذا الحرير

و اجمل من فيه صلى

و فيه تجلى

و فيه اتحد

و في قصيدة(  السابحة ) يكمل الشاعر السمفونية الحسية بمتعة واضحة، و على مهل واصفا حوريته- اميرته – صدفته - غجريته – سمكته - عذراءه  المكررة في كل قصيدة من خلال نفس الكلمات تقريبا، التي تعطي للحب صفاته لديه . فهو  ضبابي ، غيمي ، ناعم ، اسطوري ، مليء بالفنتازيا ، متماه ، عام ، مشهدي – سينمائي ، لا منتم ، من دون جذور بل حتى انه لقيط .

لا يتجاوز سماوي الجسدي – الحسي في قصائد الحب لديه الا بصعوبة بالغة . و كما ان الشعر الوجداني لا سقف له لديه ، فان الشعر الغزلي – ان صح لنا ان نسمي قصائد الحب لديه بذلك – ذات سقف جد مدروس و كأن الشاعر ، اراديا ، لا يريد ان يتجاوزه ..انه لايكمل تفاصيل الحب الأخرى، ولا تعنيه النهاية الكلاسيكية للأمور و كل شيىء ينتهي عند شهوة الحواس  كقبلة منفلتة من فم ما .. فهناك يتجلى كل مغزى وجودها ، ربما . و بالرغم من جهد الشاعر  للارتقاء بجلال الأنثى من خلال ربطها برموزه الفكرية الا اننا ان عمدنا الى عزلها  عن هذه الرموز كلها  فانها سوف تتبدى خارج أي  معنى ، انثى كريستالية ،ملهمة، رقيقة ، حورية تذيب قلب أمير حزين ، ضجر على شاطئ يقبع في اللامكان .

 تنضو قميص الماء

عن تفاحها البري في خفر

فينخطف الامير

و الماء يشعل شهوة الانثى

و يحبو مثل طفل الغيم يحبو

كالندى

فتكاد تصحو الفتنة الرعناء في الطقس الشفيف

تكاد تصفو اذ يراودها السرير

.......

أقول ، أخيرا ، لا تستطيع ان تلقي القبض ، كناقد على جريس سماوي  الشاعر ، متلبسا بالحب الحقيقي . هيهات أن تملك هذه اللحظة عنه، أو يملكها هو عن نفسه . الحب لديه هو  رفاهية الحواس الملكية بدرجة امتياز هو فاكهة استراحة المفكر ، و سهوة المتعب ( .. ليتني لم أكن متعبا حين مرت  ليتني لم اكن نائما في ممر الدخان ..) . كأن الأمر بالعمق، لا يعنيه  إلا بقدر ما يسمح له بالعيش ، العيش دائما على طريقته و بحسب قوانينه هو .  لكننا من بين كل هذا نذهل من جمالية الشعر و حلاوته و تدفقه و سلاسة النظم ! اننا أمام الاحتراف الناضج المفعم بالشاعرية مهما كان المعنى الذي يربض وراء    الكلمة .لا استطيع ان انتظر ولادة الديوان الثاني .. ترى أي نضج  سوف يحمله لنا بعد ، أي جمال ، أي شعر !!!

جميع الحقوق محفوظة ©2006 للكاتبة كلاديس مطر