وصايا الوطن والحب العشرون في ديوان "وجع المسافة"
للشاعر عيسى بطارسه

لم أقدم لديوان شاعر من قبل. وأعترف أن الأمر ليس بهذه السهولة. فنقد الشعر أمر وبقية النقد الأدبي أمر آخر. في الشعر المفروض أنك تتعامل مع الحالة الشعرية واللغة الجميلة. ولا يهم، وهذا ما يحصل عادة، إن كان الموقف المتبنى هاما أو قليل الأهمية. فجمالية القصيدة تكمن في اللغة واللقطة أي المكان الذي تنطلق منه رؤية الشاعر. ولقد تساءلت كثيرا لماذا يفتننا العروض إلى هذه الدرجة، ولماذا يرجح الجرس أو النغم الموسيقي الجميل في أغلب الأحيان على قوة المضمون. ولماذا يوحي بالملل الشعر الحديث غير الموزون، الضبابي الحالة أو الموقف!

أغلب الظن ان الأذن العربية قد اعتادت على الكلمات الموزونة والشعر المقفى، ولهذا فهي تعبر جسر التحول الشعري بشيء من الصعوبة، وتدلف الى الحالات السريالية الحديثه بشيء من الريبة والاستغراب. لكننا اليوم نشهد قصيدة الحالة والموقف. وربما فتننا موقف الشاعر وقوته أكثر من قضية الوزن وبدأنا نفهم، مع الوقت، أن الاشياء بمضمونها وليس ببنائها فقط. وأخذنا نعمم هذا الفهم على بقية نواحي الحياة الاخرى. إن هذا التغير هو أحد مؤشرات نمونا كعرب؛ أي الانتقال من الشكل إلى المضمون، ومن الحلم الى التنفيذ، ومن النظري إلى العملي.

في ديوان عيسى بطارسه، التقى الشكل والمضمون

إن قاموسه من الكلمات منتقى بعناية فائقة، فهو يلعب معها بكل مهارة لعبة الكراسي الموسيقية، فيتغير موقعها في كل مرة من عبارة إلى أخرى ومن بيت إلى آخر. انها الحجارة التي يبني منها شكل قصائده الشعري. أما المضمون فإنه يسكن فيها ويركن كالجمر تحت الرماد.

لقد سمح البعد عن الوطن، لشاعر المهجر أن يمتلك وعيا فنيا استثنائيا. صحيح انه معني بهموم الوطن، غير أن بعده عنه (أي المسافة) قد سمحت له بمشاهدة هذه الهموم، كشريط سينمائي، عن بعد، من دون أن يكون غائصا فيه أو منقوعا بأحداثه أومغمورا بضجيجه. وهذا هو تعريف الوعي الفني بدقة. إنه ترك مسافة بين الحدث والأنا بشكل يستطيع المرء فيه تقييم هذا الحدث موضوعيا، من دون أن ينخرط هو شخصيا فيه. الوعي الفني هو أعلى مراحل النضج الفني ولقد قُدمت لشعراء المهجر على طبق من ذهب.

لقد حقنت المسافة دسمها في سمها. هي مؤلمة ولكن مبدعة. هي مرهقة ولكن كاشفة. ومن الصعب أن نجد شاعرا في المغترب لم تشكل المسافة أي البعد، إحدى عوامل شعره. أما إبداعها فيأتي من زاوية رؤيتها، وأما قدرتها على الكشف فلأنها تظهر لشاعر المهجر ما لا تظهره لغيره: الفن كوسيلة لمواجهة الحياة.

في هذا الديوان، عندما تصبح قدما الشاعر على طرف الهاوية، وخلال لعبة الكراسي الموسيقية بالكلمات، سوف يختار ما يليق بوجع الحب والغربة والبعد عن الوطن، وسوف نستمتع في كل مرة يختار فيها شاعرنا كرسياً (كلمة) ويجلس عليه.

شاعر قيد الحدوث

منذ عدة سنوات، وفي واحدة من الأمسيات الشعرية التي ينظمها اتحاد الكتاب العرب في إحدى البلاد العربية، لفت نظري أن أحد الشعراء، قام بخلع حذائه ووضعه على المنبر، كرد على نقد واجهه به أحد الحضور. ولم يكن النقد جارحا ولا متجنيا، بل كان موضوعيا، يعكس بالفعل القيمة الفنية لأعمال هذا الشاعر. ولأن النقد كان يتضمن أسئلة عميقة ومحرجة وضعت الشاعر وعمله على المحك، ما كان من هذا الأخير الا أن رد قائلا وسط ذهول الحاضرين الذين تجاوزوا المئات: (حذائي يعرف الشعر أكثرمنك)!. انتهت الأمسية عند هذا الحد، لكن الشعر لم ينته! 

وفي أمسية أدبية أخرى، واعترف هنا بأنني محظوظة جدا في هكذا مناسبات، سبب النقد لأحد الكاتبات أن تشتم بالفم الملآن احد النقاد من الحضور! وأن تغادر الأمسية قبل نهايتها وذلك لأنه تجرأ وسألها عن سبب كثرة الأخطاء الإملائية في كتبها، وعن ركاكة الجمل! خرجت (الأديبة) وبقي الأدب!

ولهذا، لا بد ان يشمل النقد الشعري او الأدبي طبيعة الفنان ذاته، الـ(هو) القابع فيه. رؤيته الشخصية للأمور واخلاقيته، ومدى تطابق عمله الأدبي مع سلوكه الفردي. فليست الكلمة الجميلة أو الفكرة المتألقة ذاتية الولادة وانما هي كالنبتة لا بد من أرض معينة لظهورها. فاذا كانت هذه الارض ضحلة، جرداء، رملية، فان الناتج يكون على شكلها ومثالها، وإن كانت عميقة، معدنية، خصبة، فالله أكبر!

 لقد كتب بيكاسو لأحد اصدقائة مرة يقول (ليس ما يفعله الفنان هو ما يهمني وانما ما يكون عليه هذا الفنان. إن ما يهمني في سيزان مثلا هو القلق والمعرفة، كما أن الآلام هي ما تهمني في فان غوغ، وأقصد هنا مأساة الإنسان. أما الباقي فهو خاطىء عديم القيمة).

والشاعر، كروح متحركة متعايشة متفاعلة قاطنة في الجسد، هو شعره وحالاته الشعرية المعبأة في الكلمات. قد يدفع القلق بالشاعر مثلاً لكي يضع حذاءه فوق منبر الإلقاء. لكنه حتما غير هذا القلق الإنساني الأصيل الذي اقصده. ان القلق الأصيل الحقيقي الذي عنيته هو قلق همه أن لا يرى اختلالاً في منظومة الحياة، هذه المنظومة التي يسعى لكي يؤمن توازنها في شعره. انه قلق تقي مؤمن بفعالية الحياة ودورها. مؤمن انه هو الآخر، باعتباره جزءا من فعالية الحياة، عليه أن يكون شديد الشفافية، وفي طريقه باتجاه تحقيق المزيد منها.

لكن الفن أيضا يكمن في نوعية الحوار! فاذا لم تستطع الكلمة (الصادقة) ان توصل الرسالة، فحتما لن يستطع الحذاء ان يوصلها، وكفانا تاريخ طويل من الأفكار المنزلة والمفروضة. والشعر، باعتباره حالة، هو أكثر الأشكال الأدبية انعكاسا لشخصية الفنان ومواضيع قلقه وطروحاته ومشاعره الغنية. والحساسية الشعرية، هي بالضبط الزاوية التي يرى منها الشاعر العالم ويتفاعل معه. وهذه الحساسية يحددها موقع هذا الشاعر على سلم الأمزجة ومدى ايجابيته. وهكذا فإننا نرى ان الشعر هو الفنان بالذات. 

الشاعر متورط! ليس لأنه صانع خزف بالكلمات! وإنما لأنه ينتمي أكثر من غيره لهذا العالم، ولهذه الحياة. وفي هذا الديوان، لفتتني درجة تورط شاعرنا عيسى بطارسه، ومواضيع قلقه وتحايله على مرارات الغربة بالحب، والاحلام وربما العتاب. انه شاعر في مغترب بدرجة إمتياز. كل يوم يمر يثقل الوطن على صدره، بشوارعه وأزقته وبيوته، بذكرياته وملاعبه وأشجاره، بحقوله، بصبايا الطفولة وصيحات الأولاد. انه عاتب على الوطن الذي تركه يرحل بعد أن رصف طريق جهنم أمامه بالثمر!

          بم كان قلبك لاهياً،

          وأنا اعد حقائبي، وأنا أجهز للسفر؟

          نفسي، وأمضي مثل مسلوب البصيرة والبصرْ

          في حقل أوهام خطر؟

          فحسبتُ أني سوف أسكن في النّعيمِ

          هناك، أرفع خيمتي بين النجوم

          وأقتفي حلمي الجميلَ على فوانيس القمر؟

قلم رصاص ...

من بين المرتكبات التي تنسب للشعر (تعرية الحياة من ورقة التوت). الحق أن الشعر لا يؤمن بالإبقاء على الحياة (كما هي). ولا هو مقتنع أن الأمور (تسير على خير ما يرام) كما اعتدنا، أن نسمع نحن العرب في محافلنا السياسية والاقتصادية. ولا مر بخاطره (أن ينام قرير العين مبتسماً) على شحّنا وقلة حيلتنا، ولا (هدأت سريرته لحظة) ولا (غمض له جفن). انه محكوم بالقلق والتقوى.

الشعر (قلم رصاص) معبأ بالحب والتغيير. وأي صفة أخرى غير هاتين الصفتين نلصقهما في الشعر، نكون قد جنحنا باتجاه الترف اللفظي والكلام الذي من غير طائل، ذلك أن الفن يكمن في نوعية الحوار، وعندما لا تصل رسالة الشعر الى هدفها، لتغير الواقع بكل حب ، فان رفع الحذاء على المنبر يكون آخر سلاح للشاعر لكي يدافع به عن نفسه أمام سقوط شعره.

ما رأيت  شاعرا (يعلن) في مرسوم درجة حساسيته الشعرية أو (يكرس ذاته) شاعرا . صحيح أن ما لبعض الشعراء الكبار من شهرة وتبجيل يغري صغارهم بالوصول السريع، غير أن الموهبة الشعرية التي تولد مع الانسان منا يوم يرى النور، تتحول وتتبدل مع الإحتفاظ بجوهرها مع الأيام متأثرة بالثقافة وبخلفية الإنسان. اذا، كل يوم (يصبح) الشاعر شاعرا، بل كل ثانية، انه يصبح شاعرا مع الوقت ولا يكون أو يولد شاعرا بحلته النهائية. انه مشروع يأخذ العمر كله. ولا (يكون) الانسان شاعرا الا لحظة وفاته ومغادرته الجسد. عندها نعرف أن مشروعه اكتمل في هذه الحياة وتوقفت هذه العملية اللحظوية عن الحدوث.

عيسى بطارسه مشروع شاعر بهذا المعنى، ولن يصبح شاعرا الا في لحظة المغادره. انه شاعر (يحدث) كل يوم. يكتب ملاحظاته الى الوطن ويضع تعليقاته حول الغربة، ويكتب عن الحب كما يراه من (سُوفْ) مسقط رأسه، ويطلق المواويل التي تند عن وجع العمر كله. انه شاعر يحدث توقا ويمعن في الحدوث والتشكل كل يوم، بل كل لحظة.

تقع الحياة في قبضة الشاعر وهي متلبسة في لحظات الضعف. انه يحاول ان يغفر لها اخطاءها المميته وربما حاول أيضا أن يقيمها من بين الأموات. انه يفعل كل هذا بالكلمات، بالشعر ومن فوق المنابر بجرس موسيقى ولحن متوسل. في أحد الأمسيات الشعرية في مدينة دمشق، لم يستطع الشاعر أن ينهي آخر مقطع من قصيدته الا بموال غنائي ذو لحن استثنائي لم أسمع مثله من قبل. لقد غنى القصيدة بصوته، ولأن المعنى كان حادا وطاغيا، والنغم يخدم بشكل مذهل مضمون الكلمات، فاننا لم نستطع ان نلقي بالاً لجمال الصوت أو قبحه. وهكذا غصت القاعة بتصفيق يفوق الوصف والبعض بكى والرسالة وصلت بقوة الروح. 

كثيرا ما فكرت أن أفكارنا هي أقرب الينا من أولادنا. افكارنا هي نحن أما أولادنا فهم (اقرباؤنا). لقد ذكرت هذه العبارة في أكثر من كتاب ومقال لي، وها أنا اليوم أعيدها في هذا الديوان بالذات. صحيح قد يعترض البعض عليها ويرى فيها شيئا من التطرف، غير أن صوابيتها (بالنسبة لي على الأقل) طاغية، وأحب جدا ان يرى فيها القارىء ايضا شيئا من الصواب، على ضوء المعنى الشعري الذي نحاول أن نبينه هنا في هذا الديوان. فخلال لقاءاتي مع الشاعر وأحاديثي معه كنت أرى هذه الفكرة قيد العمل. لم يتخل بطارسه عن أفكاره. إنه متعلق بها. انها هو. وكثيرا ما كنت اتجاوز شكله الإنساني المادي، لأرى فكره مرسوما على محياه. قد لا يرى البعض أن أفكاره منطوية على آثار من عظمة. لكن الإحساس الذي وراءها حِرَفيّ، مغرق في القلق الأصيل، ووجودي في كثير من الأحيان. حتى شعر الحب لديه، نادرا ما يلمس حده المادي الجسدي وانما يبقى متألقاً في وهج الإحساس الخالص وروعة أن يكون الإنسان عاشقا ليس الا. واذا  تجرأ ولامس هذا الحد فانه يبقى في اطار اللامباشرة، والايحاء.

العاطفة لدى بطارسه نظيفة، مهذبة، لا تقتل، لا تجرح وإنما تدفع في كثير من الأحيان إلى ذرف دمعتين متأثرتين. اذاً هو يوصل الرسالة بقدرته الهامة على الحوار.

          كم قد حدثتني هجرتي عن

          هجرة الأجساد للارواح:

          اعرفها وتعرفني،

          أصيح... أصيح من لهفي:

          وتعرف مرّها روحي

          و يعرف مرّها بدني!

ونوعية الحوار في الشعر تشي بحجم أرض اللعب التي يصول ويجول فوقها الشاعر. فكثير من الشعراء تجاوزوا خطوط البيئة حولهم، كما تجاوزوا الإطار النفسي المحدد لينطلقوا في رحاب الكون الفسيح، الكون المادي الفيزيائي وكون الذات اللامتناهية. إن أرض اللعب هي إحدى عناصر اللعبه الشعرية وليست كلها. انها في الواقع مخزون الكلمات التي يستعملها (ليركب) منها اشعاره. وهي تعكس  أيضا غنى الشاعر اللغوي وقدرته على تركيب حالات شعرية لانهائية من كلمات ذات عدد محدود في النهاية. ان أرض اللعب هي الأسلوب تحديدا، وهي روح الشاعر (كما يحلو لها ان تَستعمل اللغة).

بطارسة في هذا الديوان يلعب بقدر ما يرى أمامه من مساحة متاحة. وشعره بالرغم من ميله لشكل الموال الطويل الا أنه من السهل الاقتراب منه و(العثور) على الفكرة، ملقاة فوق كومة من الزهر. انه يحول الجمل المحكية في آخر لحظة وعلى طرف الهاوية الى جمل شعرية.

          ضرورية انت لي كالهواء  

          وكالماءِ  

          هل يجد الضجرون من الشط

          منجى من القهر،

          في غير بحر و في غير ماء؟

و في مقطع آخر يقول من قصيدة بعنوان (فلينا):

          فيلينا التي قبل ان ألتقيها،

          حسبت النساء جميعا سواء.

وفي مقطع آخر من قصيدة (زيارة سريعة الى محمد الدرة) يقول:

          لم يكن في يدي يا محمد أن أفتديكَ،

          و لا كان عندي سبيل نجاة.

          و الذي كان في يده الحل والربط،

          في يده ان تظل وفي يده ان تغيبْ،

          كان يا ابني عدوك،

          كان عدوي، وكان عدو الحياة!

الشعر الحالم ...

أفكار بسيطة ولغة شبه محكية مشحونة بالشعر. ولهذا فإن قدرتها على الحوار عالية. إن بطارسة لا يرغب أن يفلسف اللغة ويركب كلماتها بحيث تبدو مقلوبة على قفاها. فلن يأتي هذا اليوم الذي يحك قراء شاعرنا رؤوسهم حول شاعرية ولغة غير مألوفين لديهم. ولن نحظى يوما بنص كتبه وهو معلق فوق شجرة ناظرا إلى الدنيا من علٍ، أو متأرجحا على حبال الوهم والفانتازيا ومطرزا الوجود بالعدم. انه يكتب ما يراه أمامه. يكتب الحب والحرب والهول والغربة وذاته. ويدون ملاحظات شعرية في قصائده ويعلن همه للملأ. إنه شاعر تصنعه الأحداث أيضا وتلوث نهره الشعري الجاري بألف لون. ولهذا فانه دائما مشروع شاعر ككل الشعراء المعترف بهم على هذه الأرض. 

يمرر بطارسة الخرز الملون في مسبحة الحياة بين أصابعة ويبسمل. وكلما مر على القفار التي يحبها قلبه ركع ركعتين ورسم إشارة الصليب، وكلما حرقت عينيه دموع الغربة أو أخبار الحروب الكثيرة التي تحرق أصابع الوطن، تقرع الحيرة بابه او يغرق في أحلامه الغريبة، أحلام يكون فيها السلاطين على قدم المساواة مع شعوبهم او أي هذر من هذا القبيل. لكن هروبه كشاعر كان أبدا باتجاه الحب، كل شيء معمد به حتى أحجار الوطن. إنها تتحول بقدرة قادر الى حجارة كريستالية تشبه الأساطير، والازقة تغدو قلاع ملوك. هكذا تفعل المسافات بالحنين.انها تشبه العدسة المكبرة، فكل ما يمر عبرها أو تحتها أو بالقرب منها يبدو عملاقا، عظيما، تكسوه هالة الجمال الأبدي.

          وراء السور قلبي فافتح الأبوابْ،

          و ناولني – رعاك الله – مصباحا

          ينير الدرب للاحبابْ.

          أعد ما ضاع مني في الزّحام،

          وما تفتت في اللهاث،

          وما تشتت في البريد،

          وما تعثر في الدروب الهاربات

          من الجنون

          الى الجنون

          تعبت ،

          تعبت من تعبي كثيرا

          ايها البوابْ!

الشاعر حالم بغد أفضل، ككل البنائين في هذا العالم. والحق أنني لا أضيف جديدا عندما أقول ذلك. فالشاعر بنّاء، يستل حجره ويضعه في مكانه في زاوية القلب. إنه يبصم على الروح فيغير بهدوء وخفة اتجاه العالم ويصحح من مسيرة الحياة. انه يفعل هذا عبر العصور والحقب بهدوء ومثابرة. انه ينثر من خلال عصاه السحرية شرارات صغيرة في الأجواء فتصبح الدنيا اكثر حنانا على البشر والحجر وكل ما هو داب على الأرض. الشاعر نية خالصة بقوة الكلمة. ونيته تتحقق من خلال كل عمل جيد في هذا العالم، وكل حركة حب في الدنيا، وكل ميل نحو الخير. إنه يقف على الضفة الأخرى للنهر حيث محبو السلام، وناشطو حقوق الانسان، وكل الحركات العالمية التي تكافح في ظلام النوايا الشريرة، وتجار العدم. وسلاحه، ليس الكلمة فقط أو المنبر، وانما (الحالة) التي يكون عليها وفيها. حالة تصيب بالعدوى – لحسن الحظ – كل من يقترب منها. أما الفيروسات هنا فهي الكلمات المنطلقة المعبأة المكتوبة بقلم من (رصاص). عدوى (الحالة الشعرية)، هو آخر مرض نتوقع الإصابة به في هذا العصر. صحيح أننا نبدو وراء خطوط دفاعنا القليلة الهشة وكأننا لا حول ولا قوة لنا، وكأن الشعر آخر (قذيقة) ستدك جهازنا المناعي الإنساني المنهك. الا أنه قد آن الأوان لأخذ منحىً جديداً في معركة البقاء وتغيير سلاحنا والأهتمام أكثر بعتادنا. 

نعود الى قصة الحذاء على المنبر، والى ظاهرة الشتم والردود العصبية، والى الكثير من القصص المرتكبة في عالمنا الشعري الادبي. فإذا كان ذكر الله في غير مكانه أو بغير شكله اللائق يعتبر كفرا والحادا وحتى ارتدادا، فان مثل هذه المرتكبات تعتبر على نفس القدر، بالنسبة لإله الشعر. أي حركة من مثل هذا القبيل تجعل الشاعر مرتدا ويجب وضع رقبته على المقصلة. فاذا كانت حقوق الانسان وطبيعة الديمقراطية تحتمل ان يكون هناك افراد يتمتعون بميول مختلفة ومتباينة، فانه لا مجال للديمقراطية في الحقل الشعري، فالشعر لا يقبل أن يطلق لقب شاعر على مرتد، أو رجل دفعه الهوى، مثلا، لأن يستل حذاءه ويضعه على منبر الإلقاء.

إن الشاعر هو سلوكه بدرجة امتياز.

حائك زاده الفضيحة

صانع خزف مثابر بنظارات سميكة، يفتنه الجمال

حِرَفٌّي ينحت أسماء الله الحسنى على مزهريات البرونز،

منقب عن آثار الثقافة بأصابعه العشرة في تراب الحاضر،

حدّاد، لا يهدأ له بال ان لم يطعه فولاذ الشعر،

صانع خيم، كبولس الرسول، يغزل من وبر الماعز رداء الوطن!

وأخيرا، إنسان يتقدم ليس في السن فحسب، وإنما في

القداسة أيضا.

غريب الدار

عائدون!

كلمة، تختصر شعار شاعر المغترب، حتى لو قضى في غربته ثلثي عمره. لكن الوطن أيضاً في أزمة، فالحروب التي يدخلها، والجروح التي تثلم جسده، تشكل غربة أخرى تثقل على أهله وخصوصاً الشعراء منهم. ولكن مما يخاف الشاعر وهو بعيد! الحق أنه يخاف من أن تغتال الصراعات، الرموز التي بقيت متوجة في قلبه من وطنه. إنه يراها تسقط عن بعد من دون أن يستطيع تحريك ساكن. انه هناك على طرف هاوية الغربة، مدججا بسلاسل الظروف والاعتبارات الكثيرة يعاين خريف البلاد وسقوط قلاع بناها في عقلة لسنوات طوال وهو بعيد.

القصيدة تصبح ملاذا في الغربة، كهفاً بدرجة امتياز. ونافذةً على عالم ليس لنا، ولنا في نفس الوقت. والحق أن كل القيمة التي يمكن ان نطالعها في أدب أي شاعر أو أديب، تكمن في قدرتها على التنبؤ. وهنا أهيب بالقارىء أن يلقي نظرة على تاريخ كل قصيدة في هذا القسم ومدى تطابقها مع ما يجري اليوم من أحداث.

الهذا سمي الشاعر (شاعرا)؟

الوصايا العشر في الوطن

يتنبأ عيسى بطارسة ولكن من خلال وصايا عشرة أخرى، جديدة تخص الوطن. انه لا يجدف لاغيا ماكان من وصايا وإنما (يكمل)!

وتلكم هي وصاياه:

  • لا تقتل الوطن فيك والا قتلك ألف وطن آخر.

  • قدس الكلمة وقدم لها وحدها قرابين الطاعة وابقَ وراء متراسها،  فاستراحات المحاربين ليست لك وأنت بعيد عن الوطن الاف الأميال.

  • احفظ الحبل السري الذي يربطك بالجذور وغذه بماء الشوق.

  • اكتب أحلامك وأذعها من فوق المنابر، وكرر الحلم المذاع مرات، ومرات كأغنية لا يمل سماعها.

  • غربل من دون كلل ولا ملل، الزؤان الذي تبذره الغربة في النفس وابق عربيا نقيا عريقا، فوق رحك ترك تاريخ من ىلاف السنين بصماته عليه.

  • -للحق من أعلى منبر تقف عليه ولو على قطع رقبتك، ولا تساوم أوتساير. فالتنازل يقتل الوحي ويطرد الإلهام الشعري.

  • صن كرامتك بملح الصدق والشفافية، فشعراء البلاط يكون مصيرهم كمصير حكامهم.

  • اغفر لوطنك زلته الكبرى حين تركك ترحل عنه، مسربلاً بأحلام الوهم، فالمغفرة تنطوي على العظمة! وابقِ عينك عليه فلا يزل مع غيرك.

  • لا تحنِ هامة شعرك لغريب أو قريب، ولا لعدو أو صديق، ولا لولد أو لفكرة مرت بخاطرك فاغرتك بحلو الوعود، أو زينت هذا الوجود من حولك بالباطل.

  • ازحف بتؤدة من تحت اسلاك الغربة الشائكة، وشعرك على ظهرك، كفدائي، كمقاتل الجبال، فما لطخه الزحف كرمه الشعر النبيل.

الوصايا العشر في الحب

تنحدر قصائد الحب لدى بطارسه من قمم خياله العالية. يحدها من الشرق خيم الصحارى وحرارة الكثبان وقوافل النوك وسماء صافية طرزها ليل الصحراء بدمع العيون. ومن الغرب ناطحات السحاب المأهولة بالضجيج وطرق الغربة السريعة التي لا آخر لها وفواتير الانفاس المحصية اخر الشهر. اما من الشمال فبلاد متخيلة أفلاطونية يكون الحب فيها سيدا مطاعا، آمرا ناهيا فوق هلع الاقتصاد ودورة التاريخ المزيفة. بينما ظهرت في الجنوب تلال الشوق والحنين بارزة كنخل القفار وقلاع الممالك القديمة. وهو بين جغرافية المكان والروح ينسج قصص حبه المتخيله ، تارة بكل الصبر المتبقي لدية وتارة بهدوء المستسلم.

لقد لفتني في قصائده هذه القدرة الطويلة الباع على حفظ المشاعر الجميلة بملح الوجدان والاصالة. انه هناك في الغربة وحيد، كشاعر، يغذي خياله، كنساج مثابر، طفرات الحب القليلة التي يجود بها الزمن فيحولها بعصاه السحرية أو بقدرة قادر الى قصائد حب. ها هو وقوده اذن قد تأمن! انه ذاتي الصنع، محلي وربما كان من باطن ارض الوطن.

انه يكتب لحبيبات متخيلات واحيانا عابرات، وفي قصائده لهن ظهرت وصايا عشر اخرى عن الحب:

  • تمسك بالحب كضرورة، كشرط للوجود، وكقيمة مضاعفة تحفظ من عفن الغربة.

  • ادخل عالم الحب بسلام، فلا تنفع الاسلحة التقليدية في تطويعه او قولبته او اعادة صياغته، فما يقدم على طبق الوجد والشوق هو افضل الانواع.

  • تساءل كلما مر الحسن بخاطرك او امامك، فالسؤال هو وسيلة المكتشف للمعرفة، وغذِّ نزعة التساؤل فالحب لا تكتمل صورته الا حينما ينفجر كله امامك وتنجلي خباياه.

  • اشكر محاسن الصدف التي تبارك ي