|

مسٌّ
من الحب
لأنور الخطيب
كتبت
الأديبة والباحثة كلاديس
مطر مقدمة للرواية هذا نصها :
مرة أخرى يتحدث كاتب عربي عن الحب! وكنت
أتساءل دائما نحن العرب، في عمق مشكلاتنا المصيرية ماذا يعيننا الحب؟ وماذا
يجدينا نفعا أن نتناول هذا الموضوع الذي يقع في خانة (الكماليات الأدبية)
أو حتى مجرد تناوله من أية وجهة نظر على الإطلاق. وكانت تراودني أفكار أنه
لولا أشعار نزار قباني الوطنية لما كان لقصائد الحب لديه أية قيمة... أو
هذر من هذا القبيل أملته علي المرحلة الثقافية الغريبة التي نعيشها اليوم.
وماذا يعني إن غمرنا الحب أو حتى غمرناه! إذا مسنا أو مسسناه! إذا أقامنا
من بين الأموات أو أقمناه! وكان خيالي يذهب إلى البعيد البعيد في هذا وربما
اصطدم بأمور صخرية كالاقتصاد العربي ومشاكل الفقر والحروب التي نتلهى بها
من الصباح حتى المساء.
وهكذا بدا الحب من بين كل هذا كنسمة رطبة في صيف قائظ طويل، أو كقطرة ماء
في حلق تائه فوق أميال من الكثبان، لا يحيا وإن كان يعين على مشي خطوة أو
خطوتين في نفق الوجود العربي (شبه المظلم).
ولدى قراءتي لرواية أنور الخطيب "مس من الحب" أدركت بلمح البصر لمَ نفقُنا
شبه مظلم وليس مظلما بالكامل! ومن بين كل هذه الفوضى الغريبة الأطوار التي
تربك الواقع العربي اليوم، كان يقف مزودا بما حباه الله من شعر وقدرة على
الجنون. ولأعترف هنا بأنني قرأت الرواية مرتين. في القراءة الأولى استمتعت
بالشعر و في الثانية حملت مكبراتي والعدسات ودخلت بيت السطور محبوسة
الأنفاس. هناك عثرت على (جرثومة) الحب جاثية في قلبه. ولأكون أكثر دقة أقول
عثرت على المرأة لا كما هي اليوم، بل (كما يجب أن تكون). لقد قدم لها
الكاتب حقوقها على طبق من ذهب، ليس لأنه أحبها بشكل استحواذي، لكنه لأنه
أقام أنوثتها من بين الأموات وجعلها تحيا فيه ويحيا فيها تكامليا وليس
تماثليا. لقد رسم في الرواية دورها النضالي كأنثى متحققة وجدانيا (.. وكنت
أعلم أيضا أنها الجوهر، ومنها توالدت النساء، فأشعر بأني جوهر الرجال، كنت
أشم رائحتها وهي تتحرك في بيتها، وعندما تقترب من مكاني، أتحول إلى رجل
خارق، أشعر أن رجولتي ستتفجر بداخلي، وكنت أرقُّ كطفل في حضن أمه، يغمرني
طوفان حنان...). وهو بهذا رفع الحب كمضمون إلى أعلى مستوياته وحوله إلى ضوء
في نفق اليوميات العربية المظلمة.
ولقد حارب كاتبنا، في هذا النص، الفكر السائد فيما يتعلق بالعلاقة مع
المرأة من خلال كل الشخصيات التي حاورها في هذه الرواية المتماهية الأحداث،
وفي كل مرة كان (مسه) أو وجهة نظره تلامس (...حدود إحساسي بحريتي معها...)،
وهو هنا يطرح أشد الأفكار مضمونية بالنسبة لموضوع الحب على المحك: الحرية.
إنها من خلال الشريك ومعه وليس خارج إطاره. وهو بذلك يعيد تعريف الحرية
بأكثر معانيها جمالا وجلالا!
الحرية من خلال التوحد مع المعنى، معنى الأنثى وليس خارج حرمها. فعادة،
عندما يقع رجل شرقي في الحب، فإنه يراعي بالعمق حريته هو ويعمل على
صيانتها، أما أن يطلب أن يكون حراً من خلال الآخر فهذا فتح جديد في درب
الحرملك العربي المعنوي الطويل!
والمرأة التي كانت أمه في الماضي تعترف للكاتب في روايته: "أشعر بأنني
أميرة وأنا معك..". إنه ليس شهريار عربياً آخر وهي ليست شهرزاد من العصر
الحديث لأن ما يراه فيها يفوق ما منحتها إياه وثيقة حقوق الإنسان: "أنت
طفلتي التي ألدها كل لحظة، أنتِ طفلتي وعشيقتي وحبيبتي وأمي وصديقتي
وملهمتي ووسادتي وصوتي وغنائي ودمعي وفرحي، وكل ما ألامس وكل ما يلامسني".
وحين تكون المرأة كل هذا بالفعل بالنسبة للرجل فإننا ندرك أن أنوثتها
الوجدانية التي نريدها أن تتحقق من اجل نهضة المجتمع قد اكتملت، وأن ما
نطلق عليه هنا رواية (عن الحب) هو في الحقيقة، بند جديد من بنود الانتقال
من التيه الأنثوي القديم إلى اليقين من ذاتها معه ومن خلاله. ألم يكن هو لب
أزمتها عبر العصور، ألم يكن سببا لاضطهادها كما تقول ، وسببا لحرملكها و
قيودها!
اليوم يقدم أنور الخطيب اعتذاره لها نيابة عن كل الرجال، ويعترف بأن سوء
الفهم الطويل لم يكن إلا بسبب نقص مزمن في الحب، وفي المس به! أما هي فتقدم
له طاعتها من جديد، لكن تحت عناوين كثيرة صاغتها بطريقتها: "حصَّنتك بالحي
الذي لا يموت، بصاحب الملك والملكوت، باعث الحركة والقنوت، براسم خطوك،
وساكن قلبك، وحاضن قبرك، ورافعك وخافضك حصّنتك بي، من شرّي وشرري، من شمسي
وقمري، من غضب نخلي وبحري. حصنتك بعفوي وقهري، ببوحي وجهري، من كل مالك
أمري، وولي عمري.. حصّنتك بمداي، فاسكن حناياي، تمسك بشهيقي وارحم مأواي،
وعدّ نبضي وفك قيدي، يا واهب وجهي إشراقة النهار، وواهب عيني سحر الليل،
ابق هنا".
في هذا النص إذا، يأخذ الحرملك العربي حلة جديدة. إنها حلة التكامل وليس
التماثل بين قطبي الذكورة والأنوثة. وسوف لن يتعثر القارئ هنا بالهيكلية
التقليدية المعروفة للرواية، وسوف لن يلهث باتجاه ذروة ما، ولن ينتظر أن
يقتل الكاتب أي من أبطاله أو يحيه. إن النص هنا يتجاوز المتعارف عليه ليدخل
في شعرية المعنى والمضمون. وليس اتباع التقليد البنيوي الروائي دليل على
وجود كنز أدبي بالضرورة، وليس السرد الشعري للمعنى دليل على الاستخفاف به.
وحين يتناول (شاعر) موضوع الحب فإننا لا نستطيع أن نتوقع دائما شكل القالب
الأدبي أو الإطار الذي يمكن أن يحتويه. والأرجح أن يتناسب الإطار مع شكل
الهذيان، والسرد مع تدفق الحركة الذاتية، و الكلمات مع حدة الرؤية وشدة
سطوعها.
لن يحتاج واقعنا إلى عبقرية استثنائية من أجل خلاصه، فالحلول الحقيقية
الجذرية تكمن في القاع دائما، في الأسباب الخفية غير الظاهرة، في بساطة
المبادئ التي تتناسب مع الطبيعة البشرية، في الحب، وربما في المس به! وإذا
كنا نلهث وراء خلق بنية تحتية عربية متينة، فإنه بالقطع لا يجب أن نهمل
البنية التي تخلقها هذه العلاقة الحساسة بين المرأة والرجل، بنية ترتكز
عليها القاعدة السليمة لوجدان المجتمع.
قد توعز أفكار القارئ له أن الكاتب قد حمل الحب إلى ما فوق طاقته أو ربطه
بما ليس فيه، و ربما ساعدته أنا، في هذه المقدمة، بتعبئته وكأنه سلاح آخر
على الجبهة العربية. قد توعز له أفكاره أن الكتاب مفرطون أحيانا في طرحهم،
وقد يتطرفون، وربما هم وعاظ مترفون، أو حتى متعسفون في أراءهم. قد توعز له
أفكاره بالكثير صعودا وهبوطا وجيئة و ذهابا! قد .. وقد ...! لكنه ما إن
يخلو إلى ذاته، ويخرج من هذا الميل العربي القديم الموروث لتصنيف وتقييم كل
شيء وأي شيء، حتى يدرك أن ما أوصلنا إلى ما نحن عليه ليس إلا النقص به و
حتى تجاهله كسلاح!
|