اللاذقية - مراكش

 حكاية رسائل متبادلة

بين عبد الكبير الميناوي وكلاديس مطر

 

عبد الكبير الميناوي

 عبد الكبير الميناوي - مراكش 2005

أصل الحكاية

كان في رسالة كلاديس مطر الأولى، على الرغم من قصرها، كثير من الدفء الإنساني. استبد بي لحظة فتح الرسالة شعور جميل، لازلت إلى اليوم أستحضر تفاصيله.

بعد ذلك، ستكتب كلاديس في إحدى رسائلها أن صداقات الهوتمايل خطيرة، مادامت ليست كلها مهيأة للدخول إلى عمق غرفتك واختراق جوانيتك. من هذه الصداقات، برأي كلاديس، ما يدمر، بل ويشوه، ومنها ما يحول حياتك إلى حديقة ربيعية دائمة.

مثقفوا الهوتمايل، ينقسمون، برأي كلاديس، إلى صنفين : منهم من يبدأ برسالة جميلة فيؤثث لصداقة راقية وتبادلية تحث وتحرض على الإبداع، ومنهم من يختبئ وراء مربع المسنجر من أجل البوح والفضفضة، وحتى البكاء.

تخلص كلاديس في إحدى رسائلها إلى أن الهوتمايل ورطة !

لكنها تستدرك، فتقول : "لكنه منفذ يمنع عنك الجنون !"

الهوتمايل عالم يشبه الحياة. صورة طبق الأصل.

تتيح لك تكنولوجيا التيه هذه أيضا، برأي كلاديس دائما، أن تستيقظ فتقرأ حوارك مع الآخر محفوظا. مع أنك اعتدت على أن كل ما يقال يذهب قبض الريح !

  أسئلة الهوتمايل

 لا أدري كيف جاءتني فكرة طرح أسئلة تخوض في تفاصيل الحياة الخاصة لكلاديس. أعترف أنه كان في الأسئلة كثير من الشيطنة ومن المكر، أيضا. كنت أطرح الأسئلة عن وعي بأني سأستثمرها يوما ما، خلال الإعداد لنص عن هذه الكاتبة السورية الرقيقة والدافئة.

لم يكن عندي أدنى تخوف من إمكانية عدم استعداد كلاديس للإجابة عن أسئلتي. كنت أعرف، بحكم تواصل الرسائل بيننا، أي صنف من الأدباء هي وأي نموذج من الكتاب والمبدعين هي. بدت لي امرأة ممتلئة بالحب والحياة. بدت لي مثل إنسان يكفي أن يحس معك بالأمان ليعطيك سره بكل الألوان. بالمقابل كان هذا الواقع يجعلني متحملا لمسؤولية الحفاظ على صورة المغربي الجميل والدافء في تعامله مع الآخرين. باختصار أن أكون "راجل" – بالمعنى المغربي للوفاء وحسن التصرف.

حين أرسلت لكلاديس كل تلك الأسئلة كنت أهيء لنص ينقل لكل ما كنت أشعر به عند كل رسالة تأتيني منها. حين توصلي بكتبها. حين انطلقت في قراءة هذه الكتب عدت إلى أجوبتها ورسائلها السابقة، ثم هيأت أسئلة أخرى. كنت أبحث عن توابل للقراءة، فما يحيط بمثل هذه الأسئلة والأجوبة هو ما ينقل لعالم الكاتبة. ما يملأ الإجابات عن كل الأسئلة هو نفسه العالم الذي خرجت منه كل تلك النصوص بشخوصها وطريقة بنائها للأحداث والمشاهد.

من كل ما يؤثث للغرفة حيث تكتب. من طبيعة صمتها. من صراخها، تعطي نصوصها فراغات جميلة وتهيئ لها شكلها ومضمونها. علاقاتها مع الناس من حولها. معاني المرأة والأنوثة والرجولة والوفاء والحنان والحب والصداقة والخيانة، كلها أشياء تتحرك في تفاصيل النصوص منتهية إلى عالم يخص كلاديس وحدها.

 

كلاديس مطر

 ابتسامة المرأة

 تتطلع كلاديس في المرآة فلا ترى سوى المعنى، وأحيانا لا ترى معنى على الإطلاق. وهكذا فإن ابتسامتها تتأرجح بين الجاذبية - المعنى وبين عدم الجاذبية اللامعنى.

لكن، من يضمن أن يملك ابتسامة جذابة طوال الوقت إلا العاشق.

وحده الحب يجعل ابتسامتك جذابة طوال الوقت، تكتب كلاديس.

أسألها كيف يكون صمتها ومتى تركن إلى الصمت، فتجيب :" صمتي يشبه سطح الأرض الهادىء الساكن ولكن داخله يغلي باستمرار. أمي تقول إن الكلام يخرج من عيوني وقسمات وجهي حتى عندما أكون في وضعية صلاة. حتى الحزن لا يجعلني أصمت، على عكس الآخرين الذين يفضلون الانزواء. أنا أخاف من صمتي الكامل. عندما يسكت الداخل أعرف أنني على وشك الموت. لهذا أنا لا أركن إلى الصمت. لا أعرفه ولا أريد أن أعرفه. أخاف من وحشته. أحب أن أملأ المناخ حولي بحركة جميلة أو معنى ما. لكن، بالمقابل أكره المرأة التي تثرثر كثيرا وتقول أي كلام. أحب أن أبوح لا أن أثرثر. أن أهمس لا أن أصيح. أن أتساءل لا أن أطلب. أن أبتسم لا أن أطلق ضحكة صاخبة. أن أخجل لاأن أجاهر. فهل لغتي صامتة ؟!".

والصراخ، أسألها ؟؟

"على عكس الصمت، لاتستبد بي الرغبة في الصراخ إلا حينما لا أعرف كيف أخرج ما بداخلي على الورق".

 حبيبة آخر الليل

 ترى كلاديس أنه لا توجد امرأة كاملة من دون رجل كامل. المرأة وهم من دون حضور الرجل. هي فكرة غير منفذة ولا يمكن تطبيقها أوالتعامل معها.

تشعر كلاديس كثيرا باختلال التوزان حينما لا تشعر بالحب، الحب بمعناه المطلق. هي تشعر كما لو أن أنوثتها غير مكتملة وجدانيا، حتى أنها قد تصبح غير قادرة على التفكير السليم.

ترى كلاديس أن الحنان، كما الأنوثة، لا تتبدى من تلقاء نفسيهما من دون وجدان الرجل.

"المرأة تكتمل باللمس والنظر والمشاركة الوجدانية. ماعدا ذلك هي في طور الاكتمال. وهذا واقع. لكنها أيضا تكتمل حينما تقدم وجدانها لمن يستحقه. وقد أستفيض أكثر فأقول إن المرأة تكتمل أنوثتها بالوفاء. إنها وعاء كبير بحجم الكون يستوعب الدنيا ومن فيها بكل طاقة الوفاء التي لديها".

لا تميل كلاديس إلى المنظمات والاتحادات النسائية التي تشتم الرجل وتضع كل مسؤولية الخراب على كتفيه.

"يا إلهي. أنفر من كل هذا. إذا كنت في حضرة الرجل المناسب الوحيد والأخير والنهائي لا مانع لدي من أن أغسل قدميه بدافع الحب. حين يغلق الباب على امرأة ورجل بوجدانين متكاملين وأنوثة ورجولة متحققة، تسقط كل الشهادات والألقاب الأكاديمية ومصطلحات التيه وتبدأ لغة البدء الجميلة. لماذا نهرب من البساطة".

يبدو مستحيلا بالنسبة لكلاديس أن يكون هناك جمال ذو ديمومة من دون أنوثة. لذلك تلاحظ أن الأنوثة الخارجية المركبة، أنوثة مغنيات الفضائيات (مثلا)، لا تتجاوز في مدتها الخمس دقائق : "حينما يريد الرجل أن يضع يده بعد ذلك على روحها لا يعثر إلا على صنم لطفلة، لأجل كل هذا يبدو كما لو أن الفضائيات العربية لا تعرف إلا نمطين شاذين من الأنوثة : أنوثة الراقصة المستحيل الإمساك بها وأنوثة المرأة الطباخة التي من المستحيل على الرجل تخيلها في مكان آخر سوى المطبخ".

هذان النموذجان المتناقضان الشاذان يختزلان، برأي كلاديس، المرأة باحتقار فظيع ويضعانها على الهامش فعليا، إذ هي إما طباخة وإما راقصة، بكل ما تحمله الكلمتان من تفاصيل.

نموذج المرأة الطبيعية المعاصرة، التي تهتم بكل شىء ومع ذلك تبقى أنيقة رقيقة مثقفة رياضية وحبيبة آخر الليل، هو نموذج غير مطروح وغير وارد، تلاحظ كلاديس.

لاتشذ المرأة، بالصورة التي تقدمها الفضائيات، عن هاذين التصنيفين. فهي، برأي كلاديس، إما تعرض الكثير من الأزياء والمكياج والدلع والابتسامات البلهاء غير الجذابة والمفرغة من المعنى، أو هي مناضلة، محجبة محاضرة مثقفة بقساوة وتشبه الرجال.

الصنف الأول، من وجهة نظر كلاديس، هو تحضير لمأدبة الجنس الكبرى ضمنا، والصنف الثاني هو فقط لشتيمة الرجل. وهذا أمر ينطوي على أمية الفضائيات العربية. أمية تشبه كثيرا أمية شعوبنا العربية.

والحقيقة الصادمة من وراء كل هذا الكلام، أنه "لا توجد امرأة الحلول الوسطى، امرأة الصيرورة التاريخية. امرأة الحب العميق الحقيقي. امرأة الحنان المتعلم الواعي. هذه نماذج لاتتحدث عنها الحوارات في فضائياتنا السلبية، بالتأكيد !".

 ثورة المخمل

 أترك الكمبيوتر لسواد شاشته، وأجلس إلى التلفاز وكتابات كلاديس. بعد متعة رغبة غافية، وكلام خارج السرب، ورواية ثورة المخمل ومقدمة الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي، انطلقت في فرح عابر. أبهرتني الصور وكلاديس تبني عباراتها من خلال مشهد يمكن أن يشكل لحظة من حياة كل فرد. الفرد الذي يمكن أن يشعر في لحظة من لحظات حياته أن قدره أن يسير على كوم من زجاج مطحون وأن يدمى وأن يدرأ بجسده الصغير طلقات مشتتة مصوبة من كل الاتجاهات فيكتئب. لكنه حين يكون تحت وطأة إحساس طفيف بالرضى، يشعر أن الدنيا مازالت بخير وأنها جديرة بأن تعاش، فيضحك.

تعرفت على عالم ثريا. تهت مع الحب والهذيان في حضرة روزا، مغنية القرية التي تزين نفسها بالخلاخيل والحلي استعدادا للعرس والرقص.

تعرف كلاديس حدود اللغة. لذلك تحرك في ثناياها نارا تمنحها معنى العارف. تمنح لغتها كل الألق الذي تود أن يصير لها. عالمها مضبوط في مشاهده وتفاصيله. عين ترسم مشهد القص في هندسة سينمائية تجعل القارئ يعيش تفاصيل الحدث.

في خارج السرب. ركبت الطائرة وجلت في مدن أمريكا. مشهد لقاء الوالد المريض. ياه؟ "لاتتطلعي إلي ... أنا بشع". نم أيها الوالد. كم من الحب يعبد المسارات ويطبع الذكريات وكيان الفرد. نم في رعاية الله.

في أمريكا هوت كلاديس الوجه الآخر للحياة حيث الصحة، وحيث الانطلاق وقيامة الجسد والروح معا، وحيث الحب. حب العالم بأسره.

في خارج السرب نتعثر في مقالات تحكي عن لعبة الحياة. الحب. الفن. طقوس الإبداع. دور الفنان. الفنان وخيوط الحياة. خنق الحقيقة وفقدان الشجاعة، ثم الوعي الفني المطلوب من أجل الخروج من ورطات الحياة.

تتعاطف كلاديس مع نسائها. تحمل عنهم همومهم. تبحث لهن عن أعذار، وعن مخارج من الورطة التي وجدت كل واحدة نفسها فيها. الفتاة والكاهن العاشق الذي فتنه الكذب المبطن بالحب. الكتابة إلى الذات حين يتنبأ الإنسان بما سيحدث بعد موته. بهية التي أكملت الأربعين وهربت من السنين إلى المرآة، فالرجل، فالزواج الوحيد الباقي. جميلة وأغنية عبد الوهاب، وذكريات التيه المغلفة بالطموح والحب المندثرين في ثنايا عش الزوجية الجميل الوهمي. جميلة التي غرقت في موجة من الضحك، بعد أن أخرجت ثيابها القديمة من خزانة الزوجية.

ثريا، المومس ذات الخمسة وثلاثين عاما، وهي تفك أزرار ثوبها مخاطبة المحقق، قائلة : " لننه هذا الأمر بسرعة".

وطبعا، الاعترافات الصغيرة، الناقلة لمشاهد مصغرة تقدم تلخيصا لعالم قصصي وروائي وإبداعي فاتن، يقوم على مشاهد وصور نتخيلها فنعيش تفاصيلها من دون أن نكون حاضرين على أرض البناء السردي. فنكون في "المبادرة" كما في "السهرة"، مثلا، مع فتور وارتباك الرجل الجالس إلى امرأة تحمل بين تفاصيل حياتها صيغا أخرى لأحلام وطموحات ومشاعر الأنثى.

 كلاديس مطر - اللاذقية 2005

أصل الحكاية

 في نص لعبد الكبير الميناوي، بعنوان "شعراء الهوتمايل، أو حين تكتب القصيدة بالتكنلوجيا" لفت نظري نفس جديد في النقد. قلت في نفسي يجب أن أرسل كلمة ثناء فهذا أضعف الإيمان. راقني أسلوبه النقدي. شعرت كما لو أني أتجول في حديقة جميلة لا أمل من المشي والتطلع إلى تفاصيلها. وفي النهاية أكون كمن زار مكانا وتعرف إليه كباطن كفه من دون أن يشعر بالتعب.

 نقاد الهوتمايل

 على عكس كثير من النقاد الذين يعطون الانطباع بأنهم جادون ومتمرسون، مغرقين القارئ بسيل من نظريات النقد ليقولوا ما لم يقصده الكاتب البتة، يكتب عبد الكبير عن الواقع والموجود والملموس والحسي والكائن بكثير من الثقافة العالية من دون أن يقحم أية معلومة بشكل قسري. هو لا يتحدى الكاتب وإنما يراقبه. يتطلع إليه كأمه، باحثا من دون كلل أو ملل عن مصدر تميزه ومفاتيح لغته وطريقة تفكيره.

ربما أطلقت على أسلوب عبد الكبير صفة النقد الشعري الفاتن ذو الفضاء الرحب.

حين أراد أن يكتب عن مؤلفاتي، حملت لي رسائل الهوتمايل منه مليون سؤال ابتدءا من فن الطبخ وانتهاءا بوجهة نظري في الحب، ومرورا بالإصلاح الإداري والسباحة وفشل الأنظمة العربية. وحين أجبت كنت كالفاقد توازنه. قلت في نفسي لماذا يجب أن أبوح بكل هذا وكأني على كرسي اعتراف. أمن أجل دراسة نقدية؟؟ وماذا سيفعل عبد الكبير بمعلومة تافهة عن ذوقي في الطعام وأجمل الألوان لدي، واهتمامي بالمنظمات النسائية. هل أنا فنانة أم أديبة؟! ولماذا بعد أخذ ورد وتصحيح وتشطيب وتبادل معلومات ورسائل تحمل الكثير من وجهات نظرنا في كل شيء، يجب أن أعرف بالصدفة أو عن قصد أنه يشرب الشاي بالنعناع الأخضر.

كنت أتساءل عن كل هذا وأكثر !

اليوم، أدرك أنه لا يوجد نقد "موضوعي" خارج إطار العلاقة الإنسانية الجيدة والإبداعية والتي تتسم بالود والقدرة على إبداء النصح و تقبل الإرشاد والتوجيه. فكيف يكون هناك نقد حقيقي لأثر أدبي ما، إذا لم تكن هناك علاقة ودية إنسانية راقية بين الكاتب والناقد ؟ ألم يفجع الكثير من الكتاب بقراءات نقدية عنهم وعن أدبهم لا تمت لما كتبوه بصلة، وكأن الناقد قد حمل النص أكثر مما أراد الكاتب نفسه أن يحتمله ؟

من قال إن نصا أو نقدا موضوعيا يجب أن يكون بمعزل عن أية علاقة إنسانية ؟! الحق أن هذه من الأفكار الخاطئة المغلوطة الشائعة في عالم الأدب والنقد.

لقد شاءت الظروف أن ألتقي العديد من الكتاب الغربيين وكانوا جميعا يتهكمون على نقادهم وكيف أنهم حملوا كتاباتهم أكثر مما تحتمل.

 حكاية ورد اصطناعي

 يتساءل عبد الكبير في إحدى رسائله عن معنى النقد والمنهج والقراءة والتناول وغيرها من أدوات التشريح الأدبي، التي تصاحب النص تفكيكا أو تحليلا أو قراءة أو "شرحا".

يرى في إحدى رسائله أن اقتراح نظريات النقد أداة لمقاربة وتحليل نص إبداعي، يبقى كمن يهدي محبوبته وردا اصطناعيا.

المحبوبة / الصاحبة / العاشقة، تبقي، برأي عبد الكبير، نصا جميلا فاتنا يحتاج منك صبرا مضاعفا وعينا قادرة على رسم حدود الأمان وجعل النص / المرأة يأتي / تأتي إليك عن طواعية وطيب خاطر ومن دون خوف من أن يشيع سره(ا) بين الناس. سر المرأة هو نفسه سر النص، يكتب عبد الكبير. عليك أن تتعهده بالرعاية والحنان والدفء. عليك أن تقترب من النص كاقترابك من فاتنة لفحك عطرها ورمى بك قدها البحري إلى شاطئ لاتيني.

 نصيحة ابن عربي

 يرجع عبد الكبير إلى نظريات النقد. يستحضر نصا للكاتب والناقد المغربي عبد الفتاح كليطو يتحدث فيه عن الهم الذي يحرك كل بحث. نص يقول فيه هذا الناقد المفتون بحكايات الألف ليلة وليلة والمقامات، إننا عندما ندرس نصا "على ضوء" هذا المنهج أو ذاك، فإننا نعتقد -أو نفترض- أن النص غامض، مبهم يكتنفه ليل كثيف دامس، وإلا فما الحاجة إلى الضوء ؟ لكي لا نضل أو نحيد عن الجادة، فإننا نستعين، برأي كليطو، بمصباح منهجي. كلمة "منهج" التي تتضمن العديد من المعاني اللغوية والثقافية : المسلك الواضح، الطريق المستقيم، السبيل البين المستوي. هكذا يتحول الدارس إلى مخلوق عجيب، إلى مشاء يقتحم الليل وفي يده سراج يستنير به.

في مقابل هذا الحديث عن الضوء والليل الكثيف الدامس والمصباح المنهجي والمسلك الواضح والطريق المستقيم والسبيل البين المستوي، يتعلق عبد الكبير بشهادات أخرى، ترى أن "النظريات كلها بالية"، وأن "شجرة الحياة خضراء على الدوام"، من دون أن ينسى العودة إلى ما كتبه ابن عربي، وهو يقدم النصيحة : "فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير كثير، بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه. فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها". أي أن المرء، بحسب ابن عربي، لا يرى إلا عين اعتقاده، أو صورة معتقده في الحق، وبالتالي فإن الحق الذي في عقيدته هو ما يتجلى له فيعرفه، بحيث لا ترى العين إلا الحق الإعتقادي، وليس الحق في موضوعيته الخالصة.

 ما بعد الأسئلة ... ماقبل الأجوبة

 من خلال طريقته في طرح الأسئلة كنت أخمن طبيعة الإجابات التي يحملها عبد الكبير بين ثنايا نفسه. كنت أقول إنه يستحيل أن يفرق عبد الكبير بين الجمال والأنوثة. ضحكة المرأة وابتسامتها. كنت أخمن أنه يشاهدها (الأنوثة) في حديث فاتنة إيطالية تنحدر من نابولي. حديث بلغة إيطالية وضحكة متوسطية تجمع سحر اللغة الإيطالية المنسابة مثل ماء يتلألأ وابتسامة تغوص بالمرء في جمال جزيرة كابري الساحرة.

 غيمة مشتركة

أرسل لي عبد الكبير، صديقي، الكثير من النصوص التي كتبها بقصد إبداء الرأي. في النهاية كان يشكرني على بعض النصائح. بعد نشر النص في صيغته النهائية كنت أعثر فقط على قناعاته بين السطور، وكان هذا يشعرني بسعادة سرية قصوى. فهذا ناقد صديق ولكنه حاسم وموضوعي وبالتالي يمكن التعويل عليه والثقة بقلمه ورأيه.

من جديد. أتساءل. أمن أجل دراسة نقدية يجب أن أعرف أنه يحب الشاي بالنعناع، وأن ليل مراكش لا يضاهى حينما يجلس المرء إلى كرسي مقهى بشارع جليز بمفرده أو برفقة الأصدقاء، وأن الشمس في عز شهر غشت  تنزل لتتمشى بين الناس في مراكش و في بني ملال !... أوف أية كيلومترات طويلة يقطع النقد حينما يكون متميزا خلاقا، متمرسا منفلتا من أي عقال وموضوعيا في نفس الوقت! أية بهجة، أي إحساس جميل عندما يعثر الآخر – على الجانب الآخر من الهوتمايل على ما عثرت عليه أنت، أيضا. على ما أدركته أنت، أيضا. على ما لفت نظرك بسر وهدوء في هذه الحياة المارقة!

في مثل هذه اللحظات فقط، يجتمع الاثنان، الناقد والكاتب، تحت غيمة واحدة. يشتركان في ما يحيط بها. غيمة تعلن شتاءا ممطرا، مع وعد بموسم قطاف ينتهي بأعراس وخير كثير.

 

جميع الحقوق محفوظة ©2006 للكاتبة كلاديس مطر