اعترافات صغيرة

ـ كلمة‏

جرتني من سريري منتصف الليل خفافيش الليل، قالوا من أجل كلمة كتبتها مرة، ترى ماذا كان يدور في خلدي عندما كتبتها ولأية جهة يتطلع حقل عباد الشمس في عقلي؟! هكذا كانوا يتساءلون ونحن نرحل مبتعدين في هدأة الظلام. حين بدأ التحقيق أخذوا يرددونها على هواهم أمامي وأنا استمع.....!‏

ـ حب‏

أحببت رئيس بلادي ليس لأنه جميل أو أنيق أو ذو سحنة سمراء، وإنما لأنه تركني أغني موالاً قديماً بصوتي العالي المتمرن على الصمت. سألت عن صندوق بريده لأشكره، عن عنوان منزله، عن رقم هاتفه. ظننت لوهلة أنه لا يقيم في البلد! كل هذا الحب جعلهم يرتابون بي وهكذا قضيت الليل في سين وجيم تحت الأضواء المتأرجحة.‏

ـ مبادرة‏

قالت له أحبك. ففتح عينيه على سعتهما. قالت: أريدك أن تكون زوجي وأن نرزق أطفالاً يشبهونك وأن نشيخ معاً. رفع حاجبيه مدهوشاً، بالرغم من الحب في عينيه، إلا أنه قال: لم أعرف امرأة تبادر في الحب! ثم أدار ظهره ورحل. فكرت: رجل آخر من بلادي يكره حريتي.‏

ـ شوق‏

في أوج الشوق، وضعت يدها على خده. وضعتها بلطف وهدوء وحب. ارتبك وقال لها، أيضاً بالرغم من الحب في عينيه: كم مرة فعلتها من قبل مع غيري؟ فكرت أن قالت له لم أفعلها أبداً فلن يصدق وإن قالت له فعلتها أكثر من مرة كلما شعرت بعاطفة حقيقية، فسينعتها بصفة أخرى أبشع. تطلعت إليه وقالت: كم فرصة خسرت أنت لتغير حياتك نحو الأفضل! ثم رحلت.‏

ـ كتاب‏

أعطته كتاباً ليقرأه. قال: لمن. قالت: لي. بعد يومين عاد متلهفاً معبأ بموقف. نظرت إلى انفعالات وجهه، فرأته يحصي أخطاءها النحوية والمطبعية والتشكيلية وألوان الكتاب وشكل الغلاف ونوعية الورق. سألته، مع ذلك، هل قرأت كتابي!‏

رد مدهوشاً: عم كنت أتحدث إذن!‏

ـ سهرة‏

في سهرة لطيفة سألها عن عمرها، أيضاً وأيضاً، مع كل الحب والشوق في عينيه أجابت: أربعون.‏

ابتسم بفتور وارتباك واكتآب لثوان، ثم عاد لشرابه، لضحكه، لنكاته مع امرأة أخرى.‏

فكرت: ترى، ألم يناسب عمري عمر الحب!‏

ـ طريق‏

رأيته يمشي بالقرب مني على طريقنا الطويل. قلت: إلى أين؟ أجاب إلى المكان نفسه. وأكملنا الطريق معاً، وصادفنا الكثير من حملة الأولوية، من الثوار الصغار من الكتاب والمهرجين/ من أصحاب الدكاكين، وطلاب المدارس، من الجنود، من النساء المنقبات، ومن السافرات. وحينما وصلنا كنت قد أضعته في الزحام، زحام طريقنا الطويل المشترك.‏

ـ تاريخ‏

وُلدت في النصف الثاني من القرن الماضي. بعد عشر سنوات أنهت كتاب الله، وفي الثامنة عشرة كانت تقرأ لنزار قباني، ثم في الخامسة والعشرين لم يك في غرفتها سوى أشعار ناظم حكمت. أما في الثلاثين فقد أولعت بقراءة الصحف وأخبار الحروب والاغتيالات والتحليلات والمشاورات والقمم العربية. اليوم، هي لا تقرأ لأحد جل ما تفعله هو إخراج رأسها من تحت الماء لتصرخ كالباقين: يعيش يعيش أو يسقط يسقط.‏

ـ خبز‏

وجدته واقفاً في طابور طويل لشراء الخبز، وبالرغم من الزحام وقلة النظام والعراك والصراخ والتحايل على الدور، كان واقفاً وفي يده قطعة النقود، لا يتحرك من مكانه، لا يعارك ولا يصرخ ولا يتحايل ولا يأخذ مكان غيره. أشفقت عليه وربما أحببته بعمق، فمن يعي اليوم درساً في الحضارة ويداه فارغتان من كيس الخبز!‏

ـ موت‏

قرأت مرة حواراً عصرياً مزيناً بالصور لعمرو دياب وهو يعترف منفعلاً أن عبد الحليم مات، مات... مات. وأن هذا الزمان زمانه هو، وهذا المكان مكانه هو، وأن موسيقاه أجمل، وأن كلماته أعمق، وأن أداءه على المسرح أقوى، وأن أفكاره مبدعة ولا نهاية لها..... غير أنه كلما استبد بي أي شوق أو حب أو حتى رفض أو مشقة، أدندن من غير قصد لذاك الذي أعلن عمرو دياب موته ذات مرة!‏

ـ نقاب‏

تطلعت امرأة منقبة في عيني وأطالت النظر. إن شعري طويل جميل وبصحة جيدة. أما هي فكان نقابها جميلاً، طويلاً ومطرزاً برسوم الطيور، حين أشاحت بوجهها ورحلت، عدت إلى منزلي، ووقفت أمام مرآتي، أخذت نقاباً ثم وضعته على رأسي، أما هي، أمام مرآتها، فقد كانت تنزع نقابها وتتلمس شعرها الطويل، الجميل والمعافى.‏

ـ شجاعة‏

قال لي : فقدت شجاعتي قليلاً قليلاً مع الأيام. كنت أشاهد شريطاً سينمائياً ليوسف شاهين حينما أدركت ذلك. و لم يدعني إحساسي المباغت هذا أكمل الشريط، فأخذت أفكر بقلق كبير، و قررت، نعم قررت بيني وبين نفسي أن أعيد شحذ شهامتي و كرامتي وضميري وأن أعيد لها الألق الضائع، وأن أسن سيف الحق الذي صدئ في داخلي. يا لها من يقظة أتت قبل فوات الأوان! ولكن قرعاً على الباب بعثر شرودي فقمت لأفتح، وفتحت و رأيت رجلاً أمامي أعرفه:‏

سيدي هل تريد إبطاء عمل ساعة الكهرباء من جديد؟‏

فكرت لبرهة ثم أجبت: نعم، ثم دخلت لأجلب له كرسياً.‏

 

 

جميع الحقوق محفوظة ©2006 للكاتبة كلاديس مطر