قراءة فى رواية "ثورة المخمل" للكاتبة السورية كلاديس مطر

كتب زيد الشهيد : العرب اللندنية 18/9/2005 م
عالجت المرأة - الكاتبة - العربية " الروائية و القاصة " عبر سردياتها المختلفة تعالقات وجودها المأسور بتابوات تأخذ أشكال الأطر الحلقية التي ما أن تتجاوز أحدها حتى تواجه بآخر ، ثم آخر ، ثم آخر .. و هلّم جرا .
و كان عليها أن توظف خضم طاقاتها للمواجهة بغية إدراك تخوم المبتغى و تحقيق ما سُلب منها عبر العصور و الحقب تحت وطأة و أثقال و قوانين ووضعية جعلت منها عاملاً سلبياً لا إيجابياً في حركية البُنى الاجتماعية ، و أوقفت ، بل حنِّطت فيها كل قدراتها التي من المفترض أن ترفد تقدم المجتمع من أجل حيازة الجهد الانساني الصحيح و الأمثل .. و إزاء هذا المحك الذي تتجسد أمامه القدرة التحملية و الانبثاق الذكي ، و الفعل المنتج ظهرت ثمة كتلٌ إبداعية نسوية اتخذت ثلاثة اتجاهات . تمثلت الكتلة الأولى في نفسها المحدود ، و باعها المتردد في السعي للوصول حتى نهاية مطاف تحقق الإدارة ، فتلكأت و تعثرت ، و من بعدها انكفأت بإبداعها و بصوتها المُعلن فتوارت عاجزة ، و اندثرت . فضاع جهدها ، و خبا صوتها ، و أفل ضياؤها ، و أصبحت في عدد النسيان . و إذا ذُكرت فسيكون ذكرها ذكر المرور السريع البسيط فيما الكتلة الثانية و هي التي اتخذت من الإرادة الصلبة سلاحاً في المواجهة ، فتصدت للأصوات الزاعقة ، و لم تتوقف ، بل وقفت بوجه التهديدات العنيفة و الهجمات الظلامية و لم تتردد أو تجبن . و راحت تجاهر معتمدة على إرادة لا تلين ، و تصميم يُعلن أن الشجاعة لا تقتصر على الرجال إنما النساء هنّ من منحن الرجال و أرضعنهم إياها . أما الكتلة الثالثة فكانت لها حضور على الساحة الثقافية ، لكنه حضور لم يتخذ من قضية المرأة فعلاً لنشاطها مؤثرة عدم الدخول إلى التيار " سواء في السير معه أو الوقوف ضده " فكان التناول ف السرد يتخذ حركة المجتمع و فيه تتصارع الشخوص بلا هوية جنسية " ذكر أو أنثى " و تتراكم الأحداث حسب احتداماتها . فقد تقف الساردة بجانب رجل ضد امرأة ، و قد تأتي الأحداث لتنصف امرأة في مجرّة صراعها مع القوى المواجهة لها من المدّ الذكوري . أي دون أن يكون ثمة انحياز إلا بقدر الوقفة التي يستوجبها الموقف في السرد ، و متطلبات صيرورة الحدث الذي انبثق فتمحّض . و الروائية السورية كلاديس مطر هي مَن جاءت مجاميعها القصصية و كتاباتها الروائية تحمل التوصيف الثالث ، منسلخة من المجموعتين الأولى و الثانية .
تقديم لفاطمة المرنيسي :
تبتدئ " ثورة المخمل " كخطاب روائي تعطى رؤية لقراءة ما قبل الطبع كتبتها الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي التي ولجت أحداث الرواية ووضعت أصابعها على الأماكن الرخوة من الجسد التدويني مثلما وقفت تحفر في ثرى بعض الأماكن التي قد لا تثير قارئاً عادياً . و الباحثة لم تتناول جملة الأحداث و لا وقفت عند الذروة لتتملّى فتخرج ساحبة الأنفاس في لحظة تنوير سيروري لهيكلية الرواية التقليدية إنما استلت الشفرات التي بثتها صانعة الخطاب و بنت عليها الباحثة رؤيتها القرائية النقدية فكان هناك الراوي الذي جعلته صانعة الخطاب راوياً روائياً و هو بمهنة كثيراً ما كانت ترميزاً للتلاعب بالمواقف و عدم الثبات و التقلب حسب الأهواء ، و حسب ما تقتضيه المصلحة الذاتية حتى لو أطيح بالمصلحة العامة و تم إفناء الماحول . هذه الشخصية التي تروى الأحداث و تدفعنا إلى الإصغاء لها بكل دوافعها و ذائقتنا و اهتماماتنا يمتهن " اللعب على الحبال " كلاعب سيرك خبر العيون التي تلاحقه و هو يتقافز من حبل لآخر ، من موقع مثير مخيف لموقع أكثر خشية فعل مؤثر في النفس ، و أدرك من خلال تسلطه حيث يتخذ النقطة العليا و المركز المهيمن على العيون الملاحقة فيميّز من خلال موقعه نسبة الإرادة في قلوب المتفرجين ، و قدر الخوف و الرعب الدفينين في أعماقهم ، تماماً كما يدرك حجم النوايا الدهائية و الصلابة الجوّانية لغيرهم . أولئك الذين يبيتون هذه النوايا لأهداف ضامرة تبتغى الزحف بطريقة ذئبية تقربهم رويداً رويدا من هدفهم الضامر في دهاليز عقولهم المخططة للأستحواذ على أشياء وضعوها أهدافاً مقدسة ينبغي إدراكها و نيلها لتكون ملكاً أبدياً لا ينازعهم في ملكيتها أحد . و تتوجه الباحثة صاحبة المقدمة لتتولى تعريفنا يصرخة لاعب السيرك الذي رأى كشاهد للتاريخ الأعداء يتغلغلون في الثنايا و العطفات ليستحوذوا على الحاضر و يبينوا للمستقبل - مستقبلهم - لاغين ماضي أمة كانت لها مكان تحت الشمس .
أديان ثلاثة :
و في الخطاب الذي يتولى لاعب السيرك عرضه بالسرد و التوصيف تمر ذائقتنا القرائية على شخوص الرواية الأساسيين ، و هم شخوص ارتأت صانعة الخطاب أن توزعهم على ثلاثة اديان هي ما حفرت وجودها على الأرض التي وجدت نفسها مرتعاً خصباً لتقبل من يأتي ليعلن أن ثمة رسالة سماوية جاء بها ، فكان " صدر الدين " مسلماً سلطاناً ، و من اسمه المركب يمكن الاستدلال على أنه غير عربي أصلاً و انه يقيناً يعود غلى السلالة العثمانية ، تاريخاً و تسلطاً . ثم " جاد الحق " مسيحياً فقدَ المشورة و الرأي وبقي بلا قرار ، تتكاذفه الأهواء و تطيح بهيبته أفكار البخل تارة و التجديف تارات ، و هو بين هذا و ذاك يعيش بلا تأثير يمكن أن يغير مجرى الأحداث ، فقط ارتكن لهوى " السقوط في حومة بغي " كان يظنه الخلاص من فقدانه إرثه ووجاهته اللذين يأس من عودتهما . أما الدين الثالث فاليهودي و يمثله " آرون " و إن لم تصرّح به صانعة الخطاب و تعرّف بهويته ، لكن اسمه يدلل على ذلك ، و دهاؤه اللاحق يشير إليه . و " آرون " في الفعل السردي ياتي ذا شخصية مزدوجة و معقدة مجبولة على الحيلة و الدهاء و امتلاك قدرة عسكرية و سيطرة اقتصادية تدفع به إلى قضم " وادي الرماد " شيئاً فأشياء ، معتمداً سلب إرادة الحاكم صدر الدين ، نافذاً من منافذ ضعف الأخير بإغراقه في ملذات الجنس و الخمرة . كما تقدمه صانعة الحطاب على أنه نصير شعبه ، مكلف بمهمة تاريخية أقلها إيجاد أرض يسكنون و يعيشون و يجدون فوقها بأي ثمن ، و بأي طريقة و حجة ، فهو قائدهم و وسيطهم مع الله في ذلك الزمان ... كلّف بتحرير شعبه و البحث له عن أرض للإقامة كأحرار . و قبل الوصول إلى الوادي ، الأرض التي أعدت لهم كما في الكتب ، و حرثوا الصحراء مقتفين أعمدة الدخان نهاراً و أعمدة النار ليلاً التي كان يوقدها لهم ربّهم لتمييز الطريق نحو الضياع المقصود . " ص 73 " . لكن هذا الضياع و في موقع آخر يغدو حالة من الثبات و التصميم على البقاء فقد جاءوا محمّلين بالتصميم النافذ و المساعدات التي يغدقها عليهم حلفاؤهم ، فدخلوا الحروب تلو الحروب ممنّين النفس بحلم قديم يستهين بع السارد بصيغة تهكمية يقرّب من خلالها رؤيتهم من منبت الهُراء : لقد دارت حروب طاحنة بين شعب آرون منذ أن استوطن أراضي الوادي الشاسعة و بين السكان الأصليين . أما اليوم و بعد كل تلك السنوات ما زالوا يغذون في أنفسهم ذلك الحلم القديم . حلم ربّما خلقه خيال كاتب قديم انقاد مثلى وراء شهوة السرد و حبك القصص ، ذلك أن الأدب كله حلم سطره صاحبه على الورق بداعي الجمال و ربما ترك أثراً . " ص 73 " .
و ثمة ما تدونه الكاتبة كتبرير لفقدان المسيحية بريقها و تأثيرها و فاعليتها بحيث تتقهقر و تتلاشى و تصبح ديانة تضيق عليها الحدود بعدما كان لها الانتشار الأوسع و التأثير الأفعل ، و السيطرة الكبيرة ... تعطى الكاتبة تركيزها على الخلافات و التفككات التي حدثت في الفكر المسيحي الديني فأنتجت مجتمعاً متهشماً استطاع من جاء إليهم أن يتداخل بينهم فيبعثرهم و يعلن سيادته لقرون على الوادي . و هي إشارة إلى الفكر الإسلامي الديني الذي بفعل تأججه و شبابه و حيويته تمكن من أن يجعل " وادي الرماد " مكاناً له و أن يغيّر فكر سكانه المسيحي إلى فكر آخر : أزاح الستار عن ذاكرته الدينية و اخذ يحصي الهرطقات التي نتجت عن المسيحية و سوء الفهم الذي ولدته طبيعة المسيح و كيف انتشرت هذه المذاهب في الوادي من الشمال إلى الجنوب بحيث زالت بقاياها حتى الآن . فهناك الأديرة و البازيليكيات و الأبراج و الأجراس و الأعمدة التي كان النساك يموتون فوقها ، ثم الرهبنة كطريقة في الحياة أساسها العزوبة و الفكر و الطاعة . " ص 152 " .
كذلك سعت صانعة الخطاب إلى تقديم الحقبة التي نقلت فيها تعاليم الإسلام من الموجب إلى السالب بفعل سلاطنة آل عثمان الذين كان همهم التربع على كرسي الحكم و التمتع لوحدهم بخيرات البلدان الذين جعلوا منها وسيلة لفرض سيطرتهم و نشر نفوذهم فأزلت المسلمين قبل غيرهم ، و سلبت خيرات الأمم المسلمة قبل أن تنزل سيطرةً و احتلالاً بأراضي الأمم الأخرى .
ثم آل المأل بهم إلى أن يجعلوا النخر في جسد الأوطان الرازخة تحت ظلهم ينمو و يتسع حتى إذا انتهوا كانت هذه الأوطان تعاني من أمراض مستعصية أقلها الجهل و تفشي الأمية و ضعف الاقتصاد و الركون في أقصى زوايا العالم المنطلق نحو منابت النور بثقةٍ عالية و جسد كله سلامة و اتزان .
و تغدو نظرة الهيبة التي كان سلاطنة آل عثمان يضفونها على أنفسهم و يجبرون الآخرين على إظهارها نظرة ازدراء من قبل المواطن جاد الحق " المسيحي " الذي شاهد " آرون " اليهودي " يقضم وادي الرماد بأراضيه و سهوله ومياهه من أمام أنظار صدر الدين "المسلم " الصاغر ، الناظر إلى الأحداث مثل معتوه لا يفقه تجسيدات الحدث و تأثيراته . فقد صار بإمكان جاد الحق :أن يبصق على سيارة الباشا كلما مرت ببطء ... من وراء الزجاج المفتوح بحزن و انكسار إلى آثار الصحراويين و هي تنتشر في أرجاء الوادي و تحيل المزارع العشوائية التي يرويها المطر إلى أبنية يتصاعد منها الدخان الملوث تحت اسم صناعة . "ص 113 ".
الزمن و الرمز
يتمطى الزمن الذي لعبت صانعة الخطاب على حباله كما لاعب السيرك ، و يأخذ الرمز فعله المتمدد الوسيع في هذا الخطاب . فلم تأتِ الرواية لتقص حقبة و لا لتؤشر زمناً تؤطره الأرقام التاريخية ، كما أن الأسماء التي وردت و الأماكن التي أشرت ليس لها وجود على جغرافية المنطقة و خارطة التاريخ . لهذا و نحن نسير على خطى الرواية و نتماهى مع أحداثها و دواخل شخوصها لا نستطيع الإقرار بأنها تمثل زمناً محدداً إلا إذا استعنا بتأويل يقربنا من الحقبة التي تم التقارب فيها بين مصر و إسرائيل في ثمانينات القرن الماضي و رؤية صانعة الخطاب على أنه تقارب جاء بدهاء من إسرائيل التي يشير الرمز إليها على أنها تضم قوماً أطلقت عليه اسم "الصحراويون" و مصر و الترميز لها بـ "وادي الرماد" و هو تشفير يمكن تأويله و الخروج بمدلول أن الوادي صار رماداً بفعل التقارب الذي حصل بين إسرائيل و مصر.
وفيها ترصد صانعة الخطاب و على لسان لاعب السيرك الراوي الذي هو ترميز آخر للتاريخ "البهلوان" غير الثابت حالة اليأس و التطيّر مما حصل ، مفجِّرة تنبؤاً تشاؤمياً للقادم من الأيام .أمعنت بعقلي النظر فوق الخرائط فلمحت النيران المشتعلة في المعابد و قصور الحكام و في الحدائق الملكية وقد التهمت كل شيء و أحالته إلى رماد . ألهذا يطلقون عليه وادي الرماد ؟ "ص150" .
و تبدو لعبة التماهي مع الزمن و الهرب من حدود المكان استعانة بالرمز واضحة منذ ابتداءات الرحلة القرائية . فالمتلقي الذي فتح بصيرته وهيأ ذائقته لتتبع مجرى الفعل السردى سيصطدم بمطبات تخيلية كثيرة ، ويجد نفسه في بعض الحيان في رجراج رؤيوى و عدم اتزان تصويري بفعل التقلب الذي تمارسه الروائية استعانة بالرمز . ففي الوقت الذي يظن المتلقي أنه يلج عوالم القرون الوسطى حيث المعابد و الكنائس و حركة الناس البدائية البسيطة ، و أجواء السلاطين ، و أخبار الصحراويين التي لابد أن ترسم في ذهن المتلقي الصور البدوية أو التراسيم التي تأخذ شكل الحياة البسيطة ، في كل هذا الوقت تصدمنا صانعة الخطاب بزمن آخر يتداخل معه و فيه، له رموزه و توصيفاته الدالة عليه كزمن معاصر نعيش حياته اللحظة . فيصار على المتلقي قراءة مفردات عصرية مثل : الجامعة / مصانع ضخمة من أجل تعليب التفاح / شركة مشتركة الأسهم / امتيازات / أبنية يتصاعد منها الدخان الملوّث تحت اسم صناعة
إذاً يتداخل الزمن في هذا البناء الروائي بالرمز فيخلق الإثنان فضاءً هلامياً تسبح فيه الشخوص ، وتسير في خضمه الأحداث ، و يكون المتلقي في وضع لا يمنحه الارتياح كقارىء جاء للمتعة إنما يدفع به إلى التقصي و التحري و التفاعل مجبراً ، أي أنه سيجد وجوده يشارك في أبجدية اللعبة الخطابية التي لعبتها الروائية كخالقة تمتحي لنفسها هدف البراعة في القص و التأثير .
فعل الشخصيات .. نظرية التهميش
بتتبع مسار الحدث الروائي و الأحداث اللاحقة به أو المتشعبة منه يمكن للمتلقي الراحل على أديم قراءته لهذا الخطاب أنه يضم شخصيات انتفت عنهم البطولة و جردتهم صانعة الخطاب من أيّما فعل يغيير مجرى الأحداث . أي أنها حركتهم كما الدمى التي ليست لها قدرة الحركة فجاءوا مشلولي الإرادة ، مقموعي الفعل ، منهكين بفعل الخواء الذي اعتراهم و الذي توارثوه من أسلافهم . وهنا تكمن إحدى شفرات هذا الخطاب الحادة التي ترثى للأمة بأديانها و قوميتها ، وحتى القوميات و الأديان التي أجبرت على العيش تحت خيمة انهيارها التي تتخذ من هذه الجغرافية البشرية و التضاريسية موقعاً لوجودها و تنعى موتها ، و غن حاولت في نهاية الخطاب باستدراك غير مقنع أن ترزق هذا الجسد الميت بحقنة الحياة .
نعم جاءت شخصيات الرواية بلا فعل ، وأتت محملة بالأحزان ، والأسى ، والضعف ، و الفكر المشلول . ولم تنوجد ئمة بارقة للمراجعة و النهوض . شخصيات انشغلت بذاتياتها و حياتها الفردية ، و لم تتسع للمّ الشمل و توحيد القوي . و هكذا هي على هذه الحال تنتظر المنقذ المخلِّص لينتهي وجود آرون الرمز و تزول دولة الصحراء الدخياة الآخذة بالاتساع و التقدم التقني و نشر أذرعة هيمنتها على الأرض و السماء . فالقس في موقعه الكهنوتي عاجز لا يرى في حياه غير أن يتضرع إلى الرب و ينثر نصائحه على من يأتيه بآلية لا تعرف التقدم ، و السلطان المسلم عاجز لا تشغله غير حياته اليومية في ايوانات قصره و منابع اللذة التي يغدقها عليه آرون بدراية دهائية ، إذ هو المختال المختلس ذو النوايا الطمعية الكبيرة و الواسعة ، و ثمة جاد الحق المهمش و المنخور ، الضائع بين بخل اتصف به و ذكريات يحاكيها الأسى على رباط سَلبَ منه إرادته تاركاً إيّاه يتهالك في سبيل استرججاع مومس صارت زوجة له بفعل وضاعة الزمن الذي كان يعيش أيامه بلا هدف و لا غايات .
و في المسار السردى تعريفات بشخوص عرضت صانعة الخطاب انتماءاتهم جذورهم التاريخية و الإجتماعية مثل : عبد الحق السوري بن أحمد بن طانيوس ، و الأب فريد بن جبرائيل ابن غطاس ، وغيرهما . لكنهم ظلّوا وعلى امتداد الماراثون الروائي بلا فعل و لا طائل إنهم التأثيثات الهوائية و الفراغية التي شغلت حيّزاً من الخطاب ، جاءت بهم الروائية و هم يعرضون هوياتهم بأنفسهم كمتم لخواء الشخصيات ، فهم أناس مقموعون بفعل قوة قاهرة لا يستطيعون أن يقفوا بمواجهة دهائها و قدراتها الكبيرة فليس ثمة من يقودهم، و الذي يتولى أمورهم سلطان عاجز جاء إلى سدة الحكم بفرمان وراثي لا بذكاء سياسي يتمتع به ، و لا قدرة على إدارة سدة حكم . لذلك كان عليه أن يخضع لمل يملي عليه آرون و يدفعه إلى توقيع كل ما يطلبه فصار وادى الرماد بإرثه ويمه ملكاً لآرون و لم يحظ أصحابه بشيء حتى أنهم خسروا و اضاعوا أحلامهم و أمانيهم فلم يعد لديهم غير التحسر على ما ضاع .
إن الخطاب الروائي يدخل في مسعاه إلى غور الحقائق ليكتشف عيوب اللحظة التي تلد لحظة ، ثم لحظة، و لحظة .. و هكذا و يعطي توصيفاً لزمن حياة الشخوص التي هي شريحة لتاريخ عاشته الشعوب و قضت أيامها في مخاضاته و تداخلاته و منتهاه . وبذلك تتشكل أيدلوجية خاصة تعبر عن مكنونات صانع الخطاب ، حيث يبث افرازاتها و رائحتها عبر الأسطر و الصفحات و في دواخل الشخوص و حركاتهم وفي عصرنا ، عصر ما بعد منتصف القرن العشرين تكمن مشكلة العرب الكبرى ألا وهي الإحتلال الصهيوني لأرض فلسطين و عجز العرب عن مواجهته بسبب التشتت و الفرقة ، و الانشغال بجزئيات لم تعد تتماشى مع لغة العصر ، و النأي عن رائحة الحضارة التي تشيع فتغرى الآخرين و تدعوهم إلى اللحاق بها ليحيون كما تحيا البشرية المتفتحة على خيرات الله و سماحته . و كلاديس مطر هنا تقدم انموذجها الايدلوجي النابع من تأسيها على أمة نسيت التاريخ و حركته و رجاءاته فنساها الله و تركها تتخبط بلا طائل في حياة لا ترحم المتقاعسين .
الشخصيات المتميزة في الفعل و التأثير
يندر أن نقرأ بوحاً و اعترافاً تلقيهما مومس خلقها صانع الخطاب في إحدى رواياته أو قصصه كما نقرأهما في " ثورة المخمل " وعلى لسان بلقيس التي انتشلها يوماً جاد الحق لحظة جاءت به متاهة الذات الضائعة فوجد كيانه وجهاً لوجه أمام كلمات تجر مسامعه جراً إجبارياً و يروي إلى وجه يحمل أفانين الغواية فيطيح بهيبة عمر تجاوز الأربعين عاماً .
يندر أن تُرسم صورة بهذا التجسيد المميز ، و التشكيل الفاعل لمومس تستنهض كافة أسلحة الأنوثة لتردى ندّها عليلاً خاوياً ، قتيلاً كما دفعتنا صانعة الخطاب لرسمه .
إن نجاح الناص الخالق لوجود الشخصيات في إبداعه و تمييز ثرائه و هيبته إنما يتأتى من إيهامنا بأن الشخصية التي شكلها بمفرداته و ابجدية خيال إنما هي شخصية تعيش الواقع : تخطو ، و تنفعل ، و تتحدث ، و تناقش ، و تعبر عن مكنوناتها التي تغدو أمام مشاعرنا حقيقية صادقة . و بلقيس التي جاءت مستلة من خيال الروائية تتجسد مخلوقة تعيش أمامنا و تقف إزاء القس فريد في لحظة حقيقية تبوح باعتراف صادق كأنه اعتراف ينبثق من امرأة تعيش الواقع بكل إرثه و مجاهيله و أحاجيه .
إن شخصية بلقيس تلفت الاهتمام لدى الداخل إلى ميدان " ثورة المخمل " و توقف الدارس طويلاً يتحرى في فحوى هذا التجسد ، بل هذا التجلي في شخص امرأة تأتي لتبوح . و هي لفتت ذكية أخرى تحسب للروائية فلم توكل للصوت الثالث التحدث عن تاريخ بلقيس ، بل جعل بيوغرافيا بلقيس تأتي على لسانها بهيئة اعتراف أمام قس ، الاستماع أحد مهامه الدينية .
يكمن تميز أسلوب الروائية و حسن استخدامها اللغة الشعرية المدافة بلوعة تدفع القارئ إلى الاصطفاف مع الشخصية المستلة التي تفيض مكنوناتها باعترافات صادقة جداً ، و نقية جداً بلا مواربة و لا خداع . الاعتراف الذي يصل حد البساطة ، تلك التي يلتجئ فيها الإنسان المكلوم التعيس في ساعات ضعفه بالدعاء لمن ينقذه هو و إن لم يؤمن بقوة ذلك الاتجاه و لا بأدنى سطوة لديه . أتذكر نصاً شعرياً لقس انكليزي اسمه جورج هربرت بعنوان " البكرة " Pulley يتحدث فيه عن أن الله عندما خلق الانسان منحه كل شيء : الجمال و الثروة ، و الجاه و الطبيعة ، لكنه أخذ منه شيئاً واحداً و هو " راحة البال " Rest of Mind .... فتذرع الانسان متسائلاً : ياإلهي إنك منحتني كل العطايا الثمينة فلماذا حجبت عنا هذا الشيء البسيط لديك ؟ لحظتها أجابه الله : أيها الإنسان ، لو أعطيتك هذا الشيء البسيط كما تتصوره فغنك ستنساني في ملذاتك و بهرجتك ، لذا جعلتُ هذا الشيء كالبكرة التي تسحبك إلي كلما احتجتني . و هنا تقف بلقيس بائحة بدواخلها و دواخل مثيلاتها من البغايا المهمّشات المرميات في أدنى زوايا السحق و عطفات الدونيّة و لتقول بأنها " بأنهنّ " كثيراً ما كان الله ملاذاً نهائياً موقف أن تجد نفسها مقذوفة ، و حيدة خاوية : يا أبانا ... دعني أقبل يديك اللتين وضعتهما على رأسي ساعة العماد .. أنا امرأة لا دين لي قبلاً بل أنني لم أنشأ على دين مطلقاً . لقد تعرفت على الله في لالا عايدة من كثرة مناداته في لحظات الألم و الكآبة التي كنت أحسها و رفيقاتي .. تعرفتُ عليه من زفرات منتصف الليل و دموع الأرق التي كانت تسيل من عيوننا في ظلام الحجرات التي كنا نمارس فيها ضياعنا اليومي المكافأ .. " ص 130" .
و تبقى الشعرية صفة ملازمة في التوصيف و السرد على لسان بلقيس فتأتي كما لو كانت ملاكاً قد أخطأ أو بشراً ارتفع إلى تخوم الملائكة . تبقى تتحدث بمفردات الشعر فتتلاعب بالمفردات محرزة تميزاً في كسب و رضا السامع " سواء كان السامع هو الله أو القس الذي وقف وراء الحاجز أو الملتقى الذي يبغى إدراك نوايا هذا المخلوق و هو يفشي انقباضه ليكسب ارتخاءه . " و هو كسب يقينا سيؤثر في مسمع و أعماق مَن يقف ليرى و يتطلع ، و يتّخذ القرار . إني لم أقتل خصومي من الرجال طعناً بالخناجر أو بدس السم و إنما بشالات الحرير الطويلة المنقولة و الحب العنيف و الشعر و الحث على اللهو كل حين . من سيقف أمام خطوط دفاعي بعد الآن ، و ما هي الأسلحة التي ستبرز أسلحتي الأشد فتكاً ! إن عواطفي أقدم و أعمق من أي دين و انتماء .. لا تفتح عينيك استغراباً يا أبانا ، لقد عمَّدني التاريخ قبلك بالكرب و المتعة و الترقب و السعادة و الحزن الدفين و الغبطة التي لا حدود لها ، و مع ذلك أشعر بالامتنان لهذا الحب الذي منحتني من دون مقدمات . " ص 131 " .. حتى و هي تقدم نفسها على الورق فإنها تظل تحتفظ بحيوية البوح بلا خشية ، بمنطق التي لا تخشى ما سيقال عنها لأنها أدرى بالواقع و حيثياته ، و مستجداته ، و إفرازاته ، و أكثر إدراكاً للنفس البشرية التي تتلبس لبوس متفاوتة .. لبوسات التقى و الورع و الهدوء و الدعة و اليقين و الثبات لكنها في حقيقة الأمر لبوسات واهية ، ليست إلا ثوباً يخفي سوءات الانسان الذي يجاهد أن يكون مقبولاً و مبجلاً لدى و بنظر الآخرين مع إنه اعرف بخوائه و كذب ادعائه و زيف أفعاله . و بلقيس هنا تتحرك لتكون نموذجاً نقياً للتحدث بكامل الصراحة و الشجاعة ، بلا لبوس خادع تتلفع به . و هي تعرف أنها بمهمتها التي وجدت قدرها يكرّسها كعمل يومي تستطيع إتقان حرفيات هذه المهنة و أدائها بالشكل الجاد و الفاعل . كما تعرف أن وجودها كامرأة لا يمكن أن يهمّش مهما جهد الرجل في ذلك و جعلها تابعاً ، أو قطعة تحفية يتمتع بها متى شاء و أنى رغب ، فهي القادرة على إذلاله أو تبجيله أنا بلقيس ابنة وداد ابنة سونيا الجميلة . أنا لست مجرد امرأة . إنني هذا الكون كله الذي تراه أمامك . بل أنا مستعدة أن آخذك معي إلى أي مكان حلمتَ بالذهاب إليه بمجرد أن تسقط ثيابي عني ..
غن بلقيس هي الشخصية الوحيدة التي مزقت شرنقة وجودها فلم ترض برتابة الحياة التي عاشتها مع جاد الحق ، بل لم تقتنع بزوج غير قادر على التغيير و ليس من همٍّ له سوى الاستمتاع بجمالها و جذوتها ، فتركته من أجل التغيير . و وجدت في الدير ملاذاً للتحول نحو التغيير الأكبر . لكنها اكتشفت أن عالم الدير لا يختلف عن العالم جاد الحق . فهو عالم يغلب عليه الرهبنة الكلاسيكية الرتيبة التي لا تنحو نحو تمزيق شرنقة القرون الملتفة على الدير و حياته التقليدية . و إرتأت ان تتحول إلى بوادر المقاومة ، مقاومة الصحراويين الذين استولوا على كل شيء لكن اليد الواحدة لا تصفق و الخواء يفرش أجنحته الرصاصية على كل تفاصيل الحياة .
وهكذا .. نحن إزاء رواية يتداخل فيها التاريخ بالإيدولوجيا ، و يتصارع فيها الذاتي المتعب بالموضوعي المتحفّز . و ما على المتلقي سوى أن يرحل مع تفصيلاتها و يقف عند شفراتها ليقوده تأويله الخاص إلى المدلولات التي لابد ستكون لصالح الرواية لا لجانب رغبته ففيها ما لا يسر ، وبها ما لا يرضى ، لكنها تقول الواقع و لا تحيد عن الحقيقة .
وهكذا أيضاً.. نحن أمام روائية لم تأخذها الذاتيات بعيداً و لم تنشغل بعاطفة المرأة المقموعة المتصارعة مع الرجل المتسلط المهيمن ، لا و لا كان الحب و إشكالاته هو ما غرقت به . إنها مشغولة بهم أكبر . هم ِّ مشاهدة أمتها التي تعيش الضياع فلا تفقه كيف تسير و لا تعرف أي طريق تتخذ ، فهي كالسفينة الماخرة عباب البحر و يتنافس على قيادتها ربابنة ، كلٍّ يدعي انه الأذكى و الأحق في قيادتها دون النظر إلى العواصف و الأعاصير التي تحيط بها و تنذر بالويل و الدمار .
اشتر الكتب من المواقع التالية :








