![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
تطريز
"لم تعد الكلمات الجميلة تضيء هذا العالم حولي كما كانت تفعل
من قبل. ربما خرب النضج المزيف احساسي بالحياة. لم يعد الشعر الجميل يترك لدي
هذا الأثر الذي كان يتركه فيّ أمس، أو يغير نظرتي الى الجمال حولي، ربما خلقت
التفاصيل اليومية السخيفة مواقف جديدة لدي تجاه الحياة .. لم يعد الميل للهو
واللعب يحتل الجزء الأكبر من نفسي، ربما لأن هذا الألق الذي تتركه آثار
أفعالنا لدى الآخرين قد بهت وحل مكانه شحوب العادة. لا لم أعد طفلة كالسابق،
ولم أفهم ابدا لماذا ندعي كبراً ونضجاً مزيفين."
هكذا
بدأت الآنسة "ميم" اعترافها الحميم لمرشدها الروحي اليسوعي، لقد غدا مرعباً
بالنسبة لها أن تتسلح كما كانت تفعل من قبل بقلب الأسد، وأن تقاوم بعينيها
المخارز الموجهة والسهام. و"يا أبانا .. هب أنني أصبت بعمى ألوان، أقصد
لنفترض ذلك، هيا قل لي ألا أرى الدنيا متبدلة لا تشبه تلك التي يراها
الآخرون؟؟ أقصد .. صحيح أنني سافرت وأنهيت دراستي في الخارج، وعشت الليالي
الطوال وحيدة بين هوس الدراسة والشوق لترك كل شيء والعودة. لا .. لا .. حتى
لا دخل لوجهي المجدر بالأمر .. أنت تفهم حتماً يا أبانا، أنني كنت تزوجت لو
أردت أن أفعل، لكني أحب العلم و .. ولم تعد الأمور سهلة كما كانت في الماضي.
كانت البنت تتزوج وهي في الخامسة عشرة. الآن الوضع مختلف، أقصد لا علاقة
بوجهي ولا لقصة شعري بالأمر. هل أبدو كالشباب في هذه التسريحة؟ لقد اعتدت
عليها وأنا في الخارج. أنت تعرف الدراسة والأستيقاظ المبكر والسرعة في
الأنجاز. لم يكن لدي الوقت
الكافي. آه بالنسبة للهو في العطل واللقاء بالآخرين .. كنت أحسن من مظهري قدر المستطاع. لقد .. لقد تعرفت على عشرات
الشبان، وأقمت عشرات
العلاقات .. أوه لا تخف، كنت رائعة، بل أكثر كنت جميلة جدا (تسرح شعرها
القصير بيدها بغنج مصطنع مرتبك). لا يغشنك هذا الأزرقاق تحت عيني، ولا تلك
الخطوط حول فمي. لقد .. لقد أمضيت الليل أثرثر مع صديق لي، لا أظنك تعرفه.
صديق التقيته في فرنسا عندما كنت أحضر لرسالة الماجستير. آه انه رائع يا
أبانا. ولكن لا تفهمني هكذا بسرعة. أنا فتاة ملتزمة. صحيح لي علاقاتي و ..
ولكني مازلت عند حسن ظنك. أقصد أنك تنتظر مني أن أعترف لك ولكن ماذا عساي أن
أقول؟ (يأخذ صوتها بالأنكسار والتهدج) بالتأكيد اني مصابة بعمى الألوان. هذه
هي خطيئتي. ولكن ما ذنبي أنا في كل ذلك؟ لقد كنت فتاة جميلة، وذهبت للدراسة
في الخارج، ولقد عشت طويلاً بمفردي، وما زلت أقف على قدمي أمامك. ولكن ما هذا
العمى الذي أعترف به الآن. اني أرى الدنيا بمنظار مختلف، هذا كل ما في الأمر!
آه طبعاً أنت تعرف لدي خبرتي .. خبرتي الكثيرة وفلسفتي .. فاذا لم أعد ارغب
بالأتصال بالناس كثيراً فهذا مرده الى قناعتي أقصد .. حتى والدتي لم تعد تفتح
علي باب غرفتي الا لتدعوني للطعام. لقد أصبحت انعزالية يا أبانا وأكره الذهاب
الى الجامعة كل يوم والألتقاء بالطلاب. إني أفضل الصمت، الصمت المطبق على
التفوه بالكلمات نفسها التي لم أردد سواها طوال حياتي. ولكني، مع ذلك يا
أبانا، أقاوم كل تلك الرغبات القاهرة وأخرج من بيتي مرغمة ثم لا ألبث أن أعود
عندما أنتهي من عملي، الى غرفتي فأنشد الأمان .. وهكذا الى اليوم الثاني. أوف
.. يا أبانا لا أظنك تفهم ما أعني تماما .. كل هذا هراء .. انسَ .. انسَ كل
ما قلته لك للتو .. كل شيءٍ على ما يرام. اؤكد لك ذلك، كل شيء على ما يرام.
إنسَ .. إنسَ فقط هذه الزبالة التي كنت أتفوه بها .. لا بد أنه عمى ألوان ..
عمى ألوان.
(لا يزال ينظر اليها متفهما وملتزما الصمت الذي بدأه، لكن مع
هزة رأس طفيفة وابتسامة شاحبة وإصغاء لا حدود له ..) وبينما أخذت تتلهى
بالنظر الى أزرار معطفها وهي تقاوم دمعا لا سلطة لها عليه، كان هو يراجع في
عقله هذا النص المفقود من كتابه العزيز، ويتمنى أن يحلق عاليا ويخرج من جسده
طائراً، منعتقاً من نعومة هذه الأحزان العادية التي ليس لها آخر. أما غداة
اليوم التالي فقد التقيا مجدداً في قداس الأحد حيث كان يخطب بصوته العتيق،
على حين جلست كطفلة منكسرة تتفرج كيف يتم تطريز هذا الوجود بهدوء ومثابرة،
بينما كان التاج والصولجان يشعان تحت شمس متسللة من كوات
القبة.
لقد تحدث
عن بعض نسوة العهد القديم .. تحدث عن ليئا وراحيل وايزابيل .. تحدث عن اشعيا
وارميا ويونان .. ولوط وبعض ملوك ذلك الزمان الغابر. وحين مل سرد جحيم الشذوذ
والغدر والغزو ونسج المقارنات واستخراج العبر .. صرخ .. يا أبنائي اني أدعوكم
للقيام الآن من بين الأموات. أنكم تراوحون لا محالة في أماكنكم .. أين رب
السبت؟ وجلاد الباعة والمرتزقة؟ اني أراكم تمعنون في انحداركم الى حيث البكاء
وصرير الأسنان. أخرجوا من حقول يعقوب وموسى .. لا تلمسوا نساءهم ولا ترعوا
أغنامهم .. اهجروا معابدهم. واعملوا في أيام أعطالهم .. أيها الأحباء انّا
خلقنا لنتورط في هذه الحياة لا لنضع عليها شروطنا، لنتحاور معها، لا لنقمع
الآخر فيها .."
أما
الآنسة "ميم" فقد كان يحلو لها في تلك الأثناء أن تغرق في ضحك خافت لم تعرف
له سبباً واضحاً. لكن المكبرات الصوتية الموضوعة في كل مكان في الكنيسة فضحت
قهقهتها فأخذت تدوي وسط ذهول واستغراب الحاضرين.
رسمت
اشارة الصليب بلمحة، ثم انسحبت بسرعة بين الهرج والمرج الذي سببته ضحكتها.
وفي الطريق الى جامعتها أخذت تراجع الدرس الذي سوف تلقيه والذي كان أيضا يطرز
هذا الوجود الباطل تحت عنوان: "الرهان الباسكالي". |
|||
|
جميع الحقوق محفوظة ©2006 للكاتبة كلاديس مطر |
|||