![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
بـــازار
في هدأة صباح يطل على
التيه، فتحا عينيهما، كل منهما في سرير عزلته المزخرفة، عزلة بدايات
هذا القرن وحين كانت هي تتمطى مغمضة العينين، كان هو يفتتح يومه بنشرة اخبار
الفجر الاولى. وحين كانت في غرفتها ترتدي بزة العمل الحيادية التي تشبه
ازياء الجنس الموحد، كان هو يسرح شعره الخفيف و يلمح جبهته، جبهة منتصف العمر
في مرآة الحمام. وامام بابيهما كانا نصف مغمضي العينين، فليست الشمس في ذاك
النهار عادية و ربما استطاعا ان يشتما رائحة احتراق حتمية في
الهواء.
وفي الطريق الى لقاء لم
يهيئا نفسيهما له، اعاد هو الاستماع الى نشرة الاخبار الثانية من مذياع
سيارته، ممتلئا من جديد بنكهة يوميات حياته المتشابهة القاتلة، بينما كانت
تسترق النظر هي من مرآة سيارتها الى زحام الزيف حولها، فيما كانت الشمس
تتصاعد اكثر فاكثر في افق كثباني، ممتد على وشك
الاشتعال.
وشبه لهما، و كأن
الدنيا حولهما تشبه البازار العتيق، بصورته العصرية المحسنة، و لم يكن واردا
في عقليهما المصنعين المنهكين، ان يلمحا بهدوء المتامل، الزهور الاصطناعية
التي رصفت على جانبي طرقات الوطن و لا المباني الكريستالية ولا حتى الجسور
المعلقة التي تشبه اقواس قزح صلبة، تلك التي نلمحها في المطبوعات
الملونة حين تريد ان تتحدث عن الطريق الى السعادة، بمجرد شراء زجاجة عطر، او
تناول توليفة جديدة من الوجبات، تفتق عنها خيال عابر سبيل اميركي.
كل شيء في طريق كل
منهما اليومي، يؤدي الى نفس المكان، و يحدث في نفس الزمان، و ينتهي الى نقطة
صفر مكررة. كل شيء رتيب، ثقيل، زئبقي، لا يمكن هزه او مزجه او تفكيكه او حلَه
او اعادة صياغته، كل شيء موجود هناك و كأنه كان قبل الخليقة و سيستمر بعدها.
انهما في منتصف العمر،
بهيي الطلعة، فلقد مرت عليهما آثار التحسين ايضا، وجعلتهما يبدوان كجزء
من حضارة الدخان والمجاملات، مراكمين في خزائنهما المقفلة، شهادات عناوينها،
اكثر تعقيدا من فسيسفاء المعابد. بينما تقض مضجعهما هذه الاسئلة الصغيرة ولكن
الحقيقية التي تضع روحيهما على طرف هاوية وهما في اكثر لحظات حياتهما يقينا.
مجهولان هما، او
ربما رقمين في سباق التحسين المموه بالخرائط و الملفات و
المزين بالاجتماعات و جلسات العمل، هذه الجلسات التي اخذت تملأ رئتي الوطن و
تحيل براري الروح العتيقة الخضراء، الى صحارى عشوائية مهملة.
يختار هو كل صباح من
بين ربطات عنقه، تلك التي تشد و تلتف اكثر على رقبته خوفا من كلمة قد تحيل
حياته الى كابوس مستديم، و تختار هي الثوب الاكثر شفافية فما تعلنه انوثة
اليوم المركبة، لا يعرف العقل ان يصيغه وما يشي الثوب به، لا تقدر الكلمات
الاكثر معنى ان توصله. وهناك في نقطة الصفر المكررة، نقطة وصولهما اليومية
يكتمل الوجود بلقاء ربطات العتق الاكثر ضيقا، بالاثواب الاكثر ايحاءاً. و يتم
تصنيع الحياة على مهل في بازار الجنون اليومي.
و مع ذلك لم يلتيقيا
مرة واحدة في حياتيهما المتطابقتين، و لم تلتقِ نظراتهما في زحمة العمر
للحظة، فيضيئان بالمعرفة و هما في غفلة عن اي شيىء، و لا سمح الحب لنسيم
الروح ان يهب فيدفع الحياء بهما للاختباء من فتنة كانت محالة فيما مضى، و لا
لامست اطراف اصابعه بشرتها المعتنى بها بتؤدة، فخرجت كل خيوله من مخبئها و
هربت باتجاه السهول، ولا توقف الزمن و رمى سلاح المحارب عند قدميهما و هما
يلهثان من فعل حب بتول نقي. لم يحدث اي شيىء من هذا ولا مر بخاطريهما انه في
يوم مشمس جميل سوف يكشف المستور بغته و تهدأ الانفاس التي قطعها الهروب
المتواصل !
واستمرت السيارتان
بالهرولة فوق اسفلت اقتصاد السوق الحرة، الاكثر ارباكا من معلقات الشعر
العربي، و الاكثر مثاليه من نظريات افلاطون البائته، و هما لا يزالان يتطلعان
بعيون الغافل، الى المشهد المنفصل عنهما في الخارج، بينما يكرران بصوتيهما
الصامتين ما كتب على لوحات الطريق.
وحين وصلا اخذا نفسا
عميقا مهدودا، كل منهما على حده، في صمت ذاته، و بسملا كل حسب دينه، ثم
ركضا باتجاه هدف ظناه معلوما !
و لم يكن القدر على
شيىء من الدعة و طول البال و الهدوء فيما مضى فسمح لهما بلقاء غير
مشروط . و لم يكن كذلك في ذاك النهار البازاري الباهت، لكنهما التقيا
صدفة و ربما بقوة الروح السرية. و بين زحمة الوجود حولهما وقفا يتطلعان في
وجه بعضهما البعض و ابتسامة خجولة على شفتيهما. و لم يكترثا للدقائق المدفوعة
الثمن التي امضياها متاملين، و لا حتى بالراكضين حولهما، و لا تطلعا الى
ساعتيهما، و لا رفت جفونهما من صوت هنا او بوق هناك !!!! و استمرا في التطلع
الى بعضهما البعض شبه مبتسمين..و كأن اسئلة الروح عادت كلها دفعة واحدة و
فرشت عباءتها فوق ذهولهما. و بدأ كلامه ككل العارفين الجهلة في هذه الدنيا :
-
مرحبا..
واجابت هي الاخرى ككل
الجهلة العارفين
-
مرحبا...
و صمتا ثانية ككل نصف
الحكماء أو نصف الموهوبين، فما يوحي به السكوت يكون اقوى احيانا من بأس
الكلمة، و لأن الموقف كله مباغت و مربك فقد آثرا الصمت. و بقيا هكذا الى ان افلتت نباهته عن كلمة
أخرى مكررة :
- اعتقد انني
رايتك في مكان ما...اقصد
- و انا ايضا..
لا بد اننا التقينا...
و سكتا ثانية.. و اخذ
يمر الوقت المدفوع الاجر عليهما، بطيئاً سريعا، أو كليهما معا. و اخيرا افلتت
منه عبارة ساذجة اخرى :
- اعتقد ان الطقس حار
اليوم
- انه كذلك بالفعل
!
وزعق بوق حولهما
فاجفلهما، و ما لا يزالان في بحر الارتباك الطفولي.. وككل اغبياء العالم.
اعتذرا من بعضهما عن امر لم يرتكباه، وربما لم يبتدأ به. وغادرا المكان
مهرولين. ناظرين الى ساعتيهما.!
وهناك في مكتبيهما..
كانا تائهين.. خجولين.. شبه مبتسمين.. متفكرين.منكفئين !
و من وقت لاخر كانا
يسرحان في مشاهد لانهائية، للقاء عشق عنيف، رومانسي، ذري، متالق...
تعبر روحاهما فيه عن اقصى طاقتيهما.. مشاهد يمارسان فيه كل
ديمقراطية خيالهما المكبوته، و يفجران فيه كل وجهات نظرهما و
أفكارهما الوجدانية، و يتواصلان بلغة الفهم القصوى المشفرة...الامر الذي لم
يحصل لاحقا ابدا...فلقاءهما الصباحي غير المخطط له، كان دائما على صورة
وطنهما و مثاله.. يغلي في مرجله.. و يغلي في مرجله... و يغلي في مرجله....
حتى الجفاف ! |
|||
|
جميع الحقوق محفوظة ©2006 للكاتبة كلاديس مطر |
|||