![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
ملاك برتبة رجل امن في تمامِ الرابعةِ صباحاً فتحتُ عينيَّ فوجدتُ برزخا طويلا نورانيا يمتد أمامي من السريرِ إلى ما لا اعرفُ نهايتَهُ . نهضتُ و أنا مازلتُ مكاني فتحوّلتِ الغرفةُ كلُّها إلى بوابةٍ لهذا البرزخِ، فعرفتُ انه لا مجالَ إلى الخروجِ أو الذهابِ إلا عبرَهُ ..فقررتُ الدخولَ بالقلنسوةِ الصوفيةِِ و بقايا الدهشةِ و النومِ و التيه ... و كمن يرى شريطاً سينمائيا لا ليس في بلادِ العجائبِ ..هكذا خلتُ نفسيَ و أنا امشي متهاديةً على ارضٍ لينةٍ كالإسفنج بينما بؤرةُ الضوءِ في نهايةِ النفقِ تتلألأُ و كأنها تُغري بألفِ مغارةٍ من مغاراتِ علي بابا و بكنوزِ كلِ قراصنةِ الدنيا و بآلافِ من أكياس الدراهمِ في العصورِ العربيةِ التي تميّزتْ بالبحبوحةِ و بناءِ دورِ العبادةِ .. و تقدمتُ في هذا البرزخِ بخفٍ مصنوعٍ في أحدِ معاملِنا الحديثةِ و بمنامة غُسِلت مراتٍ كثيرةٍ بمسحوقٍ ابيضَ محليٍّ و بحَيرةٍ أثريةٍ صنعتْ في سورية .. لكن ذاكرتي المثقلةَ بدبيبِ وحشرجاتِ الحياةِ اليوميةِ أمكن لها أخيرا أن تعرفَ السكينةَ في هدأةِ هذا النفق الطويلِ الممتدِ ... و ظننتُ ان التقدمَ و المشيَ إلى الامامِ على غيرِ هدى هو القدرُ المنتظرُ .. غير ان الشاخصاتِ التي بدأت تلوحُ لي هنا و هناكَ أخذت تدلني شيئا فشيئاً على وجهةِ هذه الرحلةِ التي لا تخطِرُ على بالْ .. و فجأةً لاحت لي شاخصتان كبيرتان كُتبَ على كل منهما " الجنةُ " و " النارُ " . الغريبُ أن كلتا الشاخصتينِ كانتا تشيرانِ إلى المكانِ نفسه ..ففكرت : " أحسن !..فهذا يُسهّلُ المهمة . فمن أنا لكي اقررَ بأي اتجاهٍ يجبُ ان اسلكَ ..فانا لم اقررْ هذا مرةً واحدة في حياتي على هذه الأرض ..و يبدو ان الخالقَ عرفَ بأزمتي فهوّنَ علي الأمرَ أيضاً فوقْ .." و ما ان تقدمت خطوتين في ذاك الاتجاه حتى وجدتُ باباً كبيراً تُُشيرُ اليه الشاخصتانْ فدلفتُ منه ، فانغلقَ دوني و بقيتُ في الداخلْ . وهناك تطلعتُ حولي و فوقي و تحتي فلم اجدْ أرضية اسفنجيةً لينةً و لا نفقا و لا أضواء متلألئة أو أي شيء من هذا و إنما المكان هو غرفة فسيحة رحبة ُفرشُت أرضها برخام المكاتبِ العصريةِ بينما كان هناكَ مكتبٌ ضخمٌ شديدُ الاناقةِ عليهِ كومبيوترٌ لم ترَ مثله عيناي من قبل ، على حين تناثرتِ الإضاءة بشكلٍ فنيٍ يخلبُ اللبَّ . و بقيتُ لحظاتٍ و انا في ثيابِ النومِ صامتةً و مذهولةً أتطلع حولي . يا للغرابة ! لقد دخلَ ملاكٌ – عرفته من جناحيه - ببذةٍ عصريةٍ و ربطةِ عنقٍ . طلب مني الملاك الأنيق بكلِ لطفٍ ان اجلسَ على اريكةٍ احتفاليةِ الجمالِ أمامه ثم أكمل : لو سمحتِ الملف ! قلت : أيُّ ملفٍ ! قال : اقصدُ سيرَتكِ الذاتيه ..! قلت : يا سيدي .. كما ترى أتيت بثيابِ النومِ و ليس لديَّ لا ملفٌ و لا املكُ سيرةً ذاتيه . قال : نعم .. نعم .. بعضهم يأتي مثلكِ هكذا ..لا بأسَ.. لا بأسَ ثم تطلعَ في الكومبيوترِ أمامه و طرطقَ قليلاً على " الكي بورد " و قالَ : بعد ثوانٍ سيكونُ ملفكِ بين يديَّ فاقررُ إلى اين تتجهينَ . فسقطَ قلبي في هوةٍ لا يعرفُ قرارها سوى الله و بدأ يقرعُ كطبلٍ أجوف كبيرٍ . لكن الملاكَ الأنيق عاجلني بقوله " دعيني أسالك بعضَ الأسئلةٍ التي يتوقفُ عليها أيضا تقديرُنا و دراستُنا لملفكِ و سيرتِكِ الذاتيةِ " ..فهدأتُ قليلا و قلتُ " تفضلْ " ، فمن ابرعُ منا في الإجابة على أي سؤالْ ..و إيجاد الحلولَ لأي مشكلة !!... قال : اين كنت تعيشينَ ! قلتُ : في البلد ! قال : و ماذا كانت مهنتكِ ؟! قلتُ و انا خائفةٌ من ان يدفعهُ جوابي إلى ان ينفجر من الضحكِ : كاتبة ! قال : حلو ..طيب ..هل كتبتِ في صحفٍ رسميةٍ ؟؟ هنا لم اعرفْ بماذا اجيبُ فخفتُ ان أنا قلتُ لا، ان اذهبَ إلى النارِ و ان قلت نعم ان اذهبَ أيضا إلى النارِ !! فسكتُّ ، فأعاد سؤالهُ مرةً ثانيةً فقلت : و الله لا اذكر! .. قال : حسنا ..و كيف كنتِ تكسبينَ رزقَكِ؟ .. فتطلعتُ في منامتي و خفيَّ المُحليّينِ ..ثم نظرتُ في عينيهِ و قلتُ : يعني .. من هون شوي .. و من هون شوي .. فهزَّ رأسه متأسفا و قالَ و الدموعُ المحبوسةُ في عينيهِ بدأت تتلألأُ : طيب ..هل شاركتِ في مؤتمراتٍ ..اجتماعاتٍ ..ورشٍ؟ ..! استغربتُ سؤالَهُ فهذهِ الأسئلةُ لا يسألها ملاكٌ حقاً و إنما رجلُ امنٍ ..فلم أرد .. فأعاد علي السؤالَ بنبرةٍ أقوى فقلتُ : و اللهِ العظيم لم أشارك بأي منها ...فهذهِ الأمور للمحظيينَ من الكتابِ ممنْ يعرفونَ كيف يعقِدونَ الصداقاتِ و يندسونَ في الجنازاتِ و الاحتفالاتِ و يهزونَ قبضاتِهم بالتحيةِ هنا و هناكْ .. قال : همممْ .. طيب ..و هل سافرتِ إلى بلدٍ آخر غير بلدك ..؟ قلتُ : نعم ..ذهبتُ مرةً واحدةً إلى القدسِ ...عندما كانت لنا ..في الخامسةِ و الستين ..هناك قصتْ والدتي اساوري الصغيرةِ و وضعتْها على قبرِ السيدِ المسيح .. فرفعَ حاجبيهِ مستغربا و قال : فهمتُ ...طيب ..ما رأيك بسياسةِ أميركا في الشرقِ الأوسط ! قلتُ مستغربة : و هل جوابي سوفَ يحددُ دخوليَ إلى احدِ هذينِ المكانينِ .. فقال بحزمٍ و ثقةٍ : بالتأكيد ... فقلت ُ: طوال عمري اكره أميركا و سياستها ! .. فابتسمَ الملاكُ و قالَ : طيبْ و ما رأيك بالمقاومةِ في لبنانَ و فلسطينَ و العراقِ و الصومالِ و السودان .. فكشفتُ له عن سلسلةٍ متدليةٍ من رقبتي كتب عليها كلمةُ مقاومةٍ .. فاتسعت ابتسامةُ الملاكِ ..ثم كرتْ سُبحةُ الأسئلةِ التي انتهت بقدومِ ملفي و سيرتي الذاتيةِ من الطابعة ... سحبَ الملاكُ الملفَ و اخذهُ بين يديهِ ووضعَ فوقهُ ورقةَ اجوبتي و بدا يقلبُ فيها و يعبسُ و يحكُّ راسهُ وقلبي يخفقُ و يتحركُ هبوطاً و صعُوداً ...و اخيراً رمى الاوراقَ من بينِ يديهِ و قالَ بنبرةٍ عاليةٍ مرحةٍ : مبروك ..بوجهك ع الجنة !! ثم قامَ الملاك ولملمَ أوراق الملفِّ و دسّها تحتَ ابطهِ و مدَّ يدهُ و قالَ " شرفي " ثم مشى يتقدمني و الملفُ محبوسٌ تحت ابطهِ . أخذتُ ألحقُ بهِ في ممراتٍ و مماشٍ طويلةٍ متعرجةٍ مطليةٍ بالابيضِ كممراتِ و مماشي المستشفياتْ على جانبيها أبواب كبيرةٌ وردية مغلقةٌ و فوقَ الابوابِ عُلقتْ لوحاتٌ مستطيلةٌ كُتبَ عليها مختلفُ اسماءِ الجنسياتِ من اوروبيةٍ و صينيةٍ و هنديةٍ و عربيةٍ إلى ان وصلنا إلى باب طويل عريض ضخم أملس وردي اللون فوقفَ الملاكُ و تطلعَ بي مبتسماً و قالَ : - هنا اترككِ و أنا مطمئنٌ ..فهذهِ جنتكم مفصلةٌ على مقاسِكم و على صورتِكم و مثالِكمْ ...ادخلي و لا تخافي هناك من سيتكفلُ بكِ و ستجدينَ الراحةَ الابدية . و اخرجَ مفتاحاً طويلاً قديماً اثرياً و فَتحَ البابَ و دخلتُ ثم أُغلقَه ورائي . في الداخل عادت ضربات قلبي إلى القرع بشكل أقوى بينما تحولت عينايَ إلى رادارِ لا تهدأ حركته . يا للمفاجأة ، لقد وجدتُ نفسيَ في أرض اعرفُها كباطنِ كفي. وجدت الأشخاص الذينَ عشتُ و عملتُ معهم طويلا. رأيتُ المنظماتِ و النقاباتِ نفسَها و الترتيبَ الهيكليَّ للمؤسساتِ ذاتها.. و الكنائسَ و الجوامعَ و ملحقاتهما من حركاتٍ و جمعياتْ...و الألقاب و التسمياتِ والخططَ و الجرائدَ و المجلاتِ و الكلامَ و التصريحاتِ والأحاديث و الطرائفِ و تكافؤَ الفرصِ و التأففَ و الطوابيرَ الطويلةَ و القصيرةَ و تلك الشاشاتِ التي تبثُّ حمامَ الهنا و أرضنا الخضراءَ و برامجَ الاسرةِ . رأيت الانكسارَ نفسَه في العيونِ و الفرحَ العابرَ نفسِه اثرَ نكاتٍ ساخنةٍ تُطلقُ هنا و هناكَ في الخفاءْ .. فاستغربتُ و شعرتُ لوهلةٍ ان الملاكَ لربما فتحَ البابَ الاخرَ .. لا بابَ الجنةِ ..فتراجعتُ خطوتينِ إلى الوراءِ ...وأ مسكتُ مقبِضَهُ أريد فتحهُ غيرَ ان الحارسَ الموجودَ في " الكولبةِ " ..قال ان هذا البابَ لا يُفتحُ بعدَ ان يُغلقَ إلا للقادمينَ الجُددْ ..و هذه تعليماتٌ امنيةٌ مشددةٌ .. فقلتُ له : يا اخي .. انا متاكدةٌ انني اخطأتُ في العنوانِ ..فربما اختلط الأمر على الملاكُ لأن الأبواب كلَها وردية .. فقال الحارسُ بنبرةِ الفاقدِ صبرَهُ : ايه فوتي خلصينا احسن من هيك محل ما في ! فاعدتُ توسلي و قلتُ : ارجوكَ ..افتحْ لي فقط شقاً قليلاً ..و سأنادي أنا على الملاكْ .. فقالَ ضاحكا : أيُّ ملاك ...؟!! قلتُ : ذلكَ الذي ادخلني إلى هنا و ملفي معهُ وهو الذي قررَ ان اكونَ في الجنة .. فغرقَ الحارسُ بضحكةٍ طويلةٍ مجلجلةٍ و قال : اي فوتي فوتي ...هاد لا ملاك و لا شي ..! فقلتُ و انا اكاد افقد عقلي : من هو اذا ...من هو اذا !! فقال بهدوءٍ بعد ان جلسَ على كرسي الكولبةِ الخيزرانِ و غلاية الشاي امامهُ : هذا هو وزيرُ الاحلامِ و منسقُها على المدى الطويلِ و واضعُ خططِها الخمسيةِ و العشريةِ كمان..انهُ مبرمجُها و مُدوزنُها و ملحنِّها و هو كاتبُ كلماتِها و الاشعارِ .. انه الحلمُ بذاتهِ .. حلمُكِ و حلمي و احلامُ كل من ستعثرينَ عليهم في هذه الجنةِ ... و تطلعتُ حولي و رأيتُ كل شيء مستنسخاً بدقةٍ مذهلةٍ مع فارقِ ان هذهِ الجنَةُ المصنَّعةَ و المركبَةَ ليس فيها من منفذٍ يطل لا على الشرقِ و لا على الغربِ ..و ان كلَّ هذه الحدائقِ المتراميةِ و تلكَ الانهارِ التي يُهدرُ ماؤها هنا و هناكَ ليست سوى لوحاتٍ جداريةٍ هائلةٍ و ان الناسَ تعيدُ كلماتِها كما يفعلُ الممثلونَ السيئونَ في مسلسلاتنا المحلية ... وأسقط من يدي ..و شعرتُ بالحصارِ التامِ و الاختناقِ و بدا وجهُ الحارسِ ذي الشواربِ الكثةِ و سترةِ الجلدِ السوداءِ كسدٍ منيعٍ لا قدرةَ لي على تسلقهِ ..وتراءى البابُ الورديُ الكبيرُ كسورِ الصينِ الاسطوريِّ ..و حركةُ هذه الجنةِ الافتراضيةِ المفتعلةِ حولي كمن أُجبِرَ على سماعِ اغنيةٍ شعبيةٍ هابطةٍ في سوقِ الجمعةِ ..و استدرتُ بقوةٍ استثنائيةٍ يائسةٍ واخذتُ اضربُ الهواءَ حولي بيدينِ كانهما صنعتا من قشٍّ هشٍّ ... وفتحتُ عينيَّ وأنا الهثُ بينما والدتي بالقربِ مني تقولُ : هذه الكوابيسُ ستقضي عليكِ! ..انهضي و اغسلي وجهَكِ و ابحثي عن طبيبٍ ليريحكِ منها . |
![]() |
|
جميع الحقوق محفوظة ©2006 للكاتبة كلاديس مطر